كارثة شهيد الإسلام الشيخ عبد المجيد الدينفوري ورفقائه.

بسم الله الرحمن الرحيم


شهيد الإسلام


{مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّـهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا}  [الأحزاب: 23]


شهدت مدينة كراتشي ظهر يوم الخميس 18 ربيع الأول 1434هـ الموافق لـ 31 يناير 2013م حادثا أفجع قلوب المسلمين جميعا؛ إذ استُهدِفَ ثلاثة رهط من أولي العلم والعمل الشيخ المفتي محمد عبدالمجيد دين بوري رحمه الله (نائب رئيس دار الإفتاء و شيخ الحديث بجامعة العلوم الإسلامية بنوري تا ؤ ن والمدرسة الدرويشية بكراتشي باكستان) والشيخ محمد صالح كا ر وروي رحمه الله (المفتي في دار الإفتاء المذكورأعلاه والأستاذ في المدرسة الدرويشية) ومحمد حسان الطالب في الصف الثاني بالدرويشية كان في خدمتهم، وقدذهبوا إلى الدرويشية لمهمَّة التَّدريس.


إنا لله وإنا إليه راجعون، وإنَّ لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمّى.
وفي ما يلي محاولة لتقديم صفحة من حياة الشهيد الشيخ محمد عبدالمجيد دين بوري رحمه الله.
هو الشيخ الفقيه المطبوع، المحدث البارع، الخطيب المصقاع، التقي النقي، العابد الزاهد، الغيور المتواضع، السّيّد محمّد عبدالمجيد بن الشيخ محمّد عظيم دين بوري، نسبة إلى قرية "دين بور" التي تقع بجوارمدينة خان بور بإقليم بنجاب وقد عمَّرها الشيخ الخليفة غلام محمّد دين بوري رحمه الله (1354هـ - 1936م) بأنفاسه الزكية وروحه الطيبة.
ولد في 15 يونيو سنة 1951م من أبوين صالحين كريمين في بيت إسلاميٍّ وفي أسرةٍ علميَّةٍ، ونشأ في ظلال والده التَّقِيِّ الورِع، قائم الليل، كان متخرِّجًا في أزهر الهند دار العلوم الد يو بندية الإسلامية على أمثال الشيخ العلامة، المُحَدِّث السّيد حسين أحمد المدني رحمه الله تعالى (ت: 1377هـ)، فنسج الشهيد رحمه الله على منوال أبيه وعلى أسلافه واصطبغ بصبغتهم، يشهد له معاصروه قبل زملائه في الصف ورفقائه في العمل.
ولمّا انقضى أوّل شوطٍ من عُمره بدأ مسيرته العلمية بحيث درس القرآن الكريم على الشيخ المقرئ عبيدالله في المدرسة "مخزن العلوم" ثم أخذ يتلقّى الفارسية ومبا ديات العربية من النحو والصرف وغيرذلك من الفنون من الشيخ المفسر السيد عبيدالله در خوا ستي رحمه الله و لازمه أمدًا طويلا ولمّا قضى وطرًا منه شقّ السبيل إلى ما تهوي إليه قلوبُ النّاس وإلى ما أشربتْ بحبِّه لينالَ حظَّه مِن نفَحاته العطِرة وليستنير السِّراج من أنواره المنبَثقة ربوعَ العالم بِخَدَماتها الوفيرة وإنتاجاتها المُدهشة وكلُّ ذلك في سبيل نَشر الإسلام أو الدِّفاع عنه، تلك التي تسمّى "جامعة العلوم الإ سلامية العلامة بنوري تاؤن"، حيث التحق بها وتلمّذ على كبار العلماء والمحدِّثين و الفقهاء والمفسِّرين آنَذاكَ إلى أن تخرَّج فيها عَام 1971م ثمَّ تخصَّص في الفقه بها كما حصل على بكار لور يوس في جامعة كراتشي.


شيوخه:


لقد حالفه الحظ حيث أدرك عصر كبار العلماء والفقهاء والمَهرة في كلِّ فنٍّ وتلمَّذ عليهم، نحو محدِّث العصر الشيخ السيّد محمَد يوسف البنّوري(ت: 1391هـ)، والشيخ المفتي الأكبر في ديار الهند سابقا ولي حسن التُّونكوي والشيخ المفسِّر محمّد إدريس الميرتي والشيخ المفسّر الشهير بِـ"حا فظ الحديث" عبيدالله الدرخواستي و الشيخ المعقولي حبيب الله الجمانوي والشيخ المفسِّر منظور احمد النعماني رحمهم الله جميعا والشيخ العلامة المعقولي الحاج محمد احمد مدَّ ظلُّه.


أعماله ووظائفه:


شغّل عدَّة مَناصبَ وتحلّى بمُختَلِف الوَظائفِ في حياته السّعيدة والمُباركة، انخرط بعدَ التخرُّجِ في سلك التدريس في دار العلوم الحسينية بِـ"شهداد بور"، ثم انتقل إلى مركز الدعوة بـ"خان بور" حيث درّس سنةً كما في "ظاهر بير" اشتغل بالتَّدريس لمدة سنةٍ، ثمّ إلى الجامعة الأشرفية بمدينة سكّر السند، ولمَّا توفي أبوه رجع إلى قريته حيث استمرّ بهمّة التدريس و الإمامة في المسجد الذي بناه أبوه رحمه الله وكلُّ هذا لوجه الله، لايسأل النّاس عليه أجرًا و فتح المطب ليعالج الناسَ بالأعشاب الطبِّي ليتَتَمَكَّنَ عن طريقه مِن أداء مسئولية البيت التي تحوّلت إليه بعد والده الرحيل رحمه الله،
ولكن كان الله قدّر لهذا الجوهر النفيس أن ينظّم في سلك أساتذة الجامعة بنوري تاؤن، فعيِّن مدرِّسًا ومفتياً في الجامعة و تولّى تدريس " الهداية" مكان أستاذه الشيخ المفتي الأعظم ولي حسن التونكوي رحمه الله كما تشرّف بتدريس كتاب الحديث "الجامع للسنن" و"الشمائل" للإمام الترمذي رحمه الله( ت 279هـ) وقد كان يدرس طلبة التخصص في الفقه مقدمة الحاشية الشهيرة و شرح عقود رسم المفتي لعلامة متأخري الحنفية الشيخ ابن عابدين رحمه الله،"(ت: 1252هـ) إلى جانب ذلك مسئولية دار الإفتاء و منصب الإمامة في المسجد الحمراء بجوار الجامعة المذكورة أعلاه، وزد عليه التدريس في مختلف المدارس والإشراف على مختلف دوائر الإفتاء حيث كان يساعدهم بذوقه الفقهي الرفيع في حل القضايا الفقهية القديمة والمعاصرة كما أنه أقام الدورة الفقهية في القضايا المعاصرة وشارك في غير واحد من المؤتمرات الفقهية و كما قام بدور المشرف الأعلى على اختبار الصف السابع المنعقد تحت إشراف هيئة ا" وفاق المدارس العالمية بباكستان" وهي أكبر هيئة تعليمية تضمُّ آلافَ المدارس والجامعات الإسلامية الديو بندية الحُرَّة".


مآثره الخالده:


تخرَّج عليه آلافٌ من العلماء والمفتيّين داخلّ البلد وخارجه، وقد يبلغ عدد الفتاوى – وفق ما ذكرتلميذه النجيب ورفيقه في دارالإفتاء الشيخ المفتي شعبيب عالم حفظه الله ورعاه- التى أصدرها بتوقيعا تها مائة وخمسين ألف، علاوةً على ما أجاب عنه في دوائر الإفتاء الأخرى أو عبرالهاتف أو الجوال أم بالمشافهة.


علاقته بالفقه:


قد عاش العلامة الشهيد رحمه الله للفقه تدريسًا وإفتاءً، وكان له في هذا المجال قدمٌ راسخٌ، باعٌ رحبٌ، انتفع الناس العامّة والخواص في أنحاء ديار الإسلام و لاغرو فقد ورث الفقه من المفتي الأكبر سابقا، أعني الشيخ السيّد ولي حسن التونكوي نور الله ضريحه، فقد كان فقيهًا ضليعًا، رائداً من روّاد الفقه، وجُلٌّ من الفقهاء والعلماء رضعوا من لبانه وتزوّدوا من ثمراته، مباشرةً أو بالوسائط إن صح التعبير، وفتاواه المحقّقة والمدقّقة خير شاهد على ما ذكرتُ، فلا غَروَ أن يَشبّ الشيخ في مثل هذه البيئة المباركة ويغترفَ من بِحارها.


ممّا تميّزت به فتاواه:


فتاواه تتمثّل في التحقيق والتد قيق وتقديمها إلى القارئ بشيءٍ من البسط حتى يشبعَ بها وكان يحرصُ على الإجابة عن جميع الأسئلة إذا كانت هناك حاجة حتى تعطى القضية حقها من الشرح والإيضاح.


صفاته الشخصية:


كان يتمتّع بصفات خلقية، راضية، رائعةٍ، يشهد لها كُلّ من عايشه ورافقه، أو صاحَبه، فكان آيةً في التواضع، قويَّ الحافظة، مستبسلاً في الحقّ، مرتبطًا في المواعيد، عاكفًا على أداء واجباته بصورة مستمرّةٍ وممتازةٍ لا يعتريه كسلٌ و لا خمولٌ ولا يمنعه من القيام بواجباته مرضٌ ولا كثرةُ الأشغال أو الأسفار، فكان جلدًا، صبورًا، رحيبَ الصَّدر، رابطَ الجأش، زاهدًا في الدنيا وأهلها، ومترفعًا عن المزاح المفْرط و كثرة القيل والقالِ، يجعل الناظر إليه يملأ رعبًا منه، مواظبًا على الذكر، وما أكثرَه في آخر أيّامه، فقد لاحظ عليه أحدُ رفقائه في دار الإفتاء أنه لم يكن تمرّبه لحظةٌ حتىّ التوقيع على ورقة الإفتاء إلا اغتنمها بذكر الله، كان كثير البكاء، ما إن مرّت به ذكرى شيخه البنوري رحمه الله إلا أخذ يستمطر الدموع وقد كان يدرّس كتاب "الشمائل" للإمام الترمذي رحمه الله وعند ما جرى ذكر النبي صلى الله عليه وسلم لم يتمالك نفسه وبكى، كان يحمل في بين جوانحه عواطفَ جيَّاشةٍ لحمايةَ الإسلام وأهلِه ، وإني والله لا أكاد أن أنسى ذلك الموقف الذي تقدم إليه طالب فيه بطلب التصديق منه على أنه طالب العلم، حتى يتسلّم الزكاة ممَّن أرسله، فإذا أنا بالشيخ احمرّ وجهُه غضبًا وتوتّرتْ أعصابُه وكادَ أن يفْرِغ عليه جامَ غضبِه تأديبًا له ولكن نفسه الحنّانة والعطوفة على الطلبة أبتْ أن يؤدّبه أو يرفض طلَبَه، فاكتفي بقوله:" ألا تستطيع أن تعيش بدون زكاةٍ" وأمضى على الطلب، كان مرجع وملجأ العلماء والمفتيّين يحل لهم القضايا المعقَّدة والصَّعبَة.
ولله درُّ الشاعر حيث قال:


سيذكرني قومي إذا جدَّ جدّهم * وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر


أسأل الله عزوجل أن يحفّ الشهداء برحمتهِ ويُلهمَ أهلَه و ذويه الصَّبر والسّلوان، ويرزقني وجميع المسلمين باتّباع الأكابر بالإخلاصِ، آمين.


كتبه
عامر خالد.
المتخصص في الفقه والحديث بجامعة بنوري تاؤن
والمتخصص في اللغة بمدرسة بن عباس.

التفاصيل
مهم!

هل أنت كاتب؟

وتريد نشر كتابتك إلى القراء من شتى بلاد العالم؟ أرسل مقالك على بريد قسم المقالات :
article@madarisweb.com
أو أرسل عبر صفحة الاتصال من هنا

المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC ، شبكة المدارس الإسلامية | 2010 - 2016