هو سماكم المسلمين

هو سماكم المسلمين


الإمام عطاءالله خان أوكسفورد.


 {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ۩  وَجَاهِدُوا فِي اللَّـهِ حَقَّ جِهَادِهِ ۚ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ۚ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَـٰذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ۚ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّـهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ ۖ فَنِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ}. [سورة الحج: 77/ 78]


أيها الأحبة : في هاتين الآيتين قد أمر الله فيهما عباده المؤمنين بأمور أربعة، الأول : الصلاة فقال : اركعوا واسجدوا، الثاني : واعبدوا ربكم، الثالث : وافعلوا الخير، والرابع : وجاهدوا في الله حق جهاده، ثم شرع الله تعالى في بيان ما يوجب قبول تلك الأوامر والتكاليف الشرعية، فقال : {هُوَ اجْتَبَاكُمْ} ومعناه أن التكليف تشريف من الله تعالى للعبد، فلما خصكم بهذا التشريف فقد خصكم بأعظم التشريفات واختاركم لخدمته والاشتغال بطاعته، فأي رتبة أعلى من هذا، وأي سعادة فوق هذا، ( التفسير الرازي ).
و العبد حين يعلم أن مولاه قد أخلصه لطاعته، و اجتباه لعبادته ، و اصطفاه من بين الأنام لخدمته، يشعر بالارتياح الذي لا يصرحه باللسان، ولا يفسره بالبيان، و لا ينطق عنه بالكلام بل إنه طعم يذوقه روحه حين يتقرب إلى مولاه، و قد أوضح رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الشعور الروحي بقوله : «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا، و بمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا» ( مسلم ) و معناه أنه لم يطلب غير الله تعالى ولم يسع في غير طريق الإسلام ولم يسلك إلا ما يوافق شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، فهل من شرف يماثل هذالشرف أو من عز يساويه ؟ كلا ! ان ذلك فيض إلهي يهبه لمن يشاء من عباده.
اجتباكم ربكم لخدمته بلا سعي وعمل، و أفاض عليكم فيوضه الإلهية الخاصة، ثم أخبركم و بشركم بذلك بصيغة الماضي,فقال : {هُوَ اجْتَبَاكُمْ} أي قد تحقق و ثبت عند الله بلا شك و ريب أنكم " أيها المؤمنون " مختارون لخدمة رب العالمين، فيا لها من سعادة السعداء ! ربكم اجتباكم لخدمته ثم باهى بكم عند ملائكته، كما روى مسلم «عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: خَرَجَ مُعَاوِيَةُ عَلَى حَلْقَةٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: مَا أَجْلَسَكُمْ؟ قَالُوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللهَ، قَالَ آللَّهِ مَا أَجْلَسَكُمْ إِلَّا ذَاكَ؟ قَالُوا: وَاللهِ مَا أَجْلَسَنَا إِلَّا ذَاكَ، قَالَ: أَمَا إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ، وَمَا كَانَ أَحَدٌ بِمَنْزِلَتِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَلَّ عَنْهُ حَدِيثًا مِنِّي، وَإِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ عَلَى حَلْقَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: «مَا أَجْلَسَكُمْ؟» قَالُوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللهَ وَنَحْمَدُهُ عَلَى مَا هَدَانَا لِلْإِسْلَامِ، وَمَنَّ بِهِ عَلَيْنَا، قَالَ: «آللَّهِ مَا أَجْلَسَكُمْ إِلَّا ذَاكَ؟» قَالُوا: وَاللهِ مَا أَجْلَسَنَا إِلَّا ذَاكَ، قَالَ: «أَمَا إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ، وَلَكِنَّهُ أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَخْبَرَنِي، أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يُبَاهِي بِكُمُ الْمَلَائِكَةَ» (صحيح مسلم 2701)
ولما علم العبد أن الله تعالى قد اختاره لخدمته، و خصه بأعظم التشريفات فقال : يا رب التكليف الشرعي وان كان تشريفا واجباً لكنه شاق و شديد على النفس، فأجاب الله تعالى عنه قائلا :  {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} ، قال الحافظ ابن كثير : {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} أي: ما كلفكم ما لا تطيقون، وما ألزمكم بشيء فشق عليكم إلا جعل الله لكم فرجا ومخرجا، فالصلاة -التي هي أكبر أركان الإسلام بعد الشهادتين-تجب في الحضر أربعا وفي السفر تقصر إلى ثنتين، وفي الخوف يصليها بعض الأئمة ركعة، كما ورد به الحديث، وهي تصلى رجالا وركبانا، مستقبلي القبلة وغير مستقبليها. وكذا في النافلة في السفر إلى القبلة وغيرها، والقيام فيها يسقط بعذر المرض، فيصليها المريض جالسا، فإن لم يستطع فعلى جنبه، إلى غير ذلك من الرخص والتخفيفات، في سائر الفرائض والواجبات؛ ولهذا قال، عليه السلام : «بعثت بالحنيفية السمحة» وقال لمعاذ وأبي موسى، حين بعثهما أميرين إلى اليمن: «بشرا ولا تنفرا، ويسرا ولا تعسرا» (ابن كثير)
و حينئذ قال العبد لمولاه : يارب قد رفعت عنا كلفة التكاليف الشرعيّة، حتى صارت التكاليف الشرعية ارغب إلينا من المرغوبات الطبعية، فأخبرنا باي ملة نلتزم وبأي عقيدة نعتقد ؟ فقال ربهم جل وعلا : " ملة أبيكم إبراهيم " أي اتبعوا ملة أبيكم إبراهيم
لأن حرمة إبراهيم على المسلمين كحرمة الوالد على الولد، اذا بدأ العبد باتباع ملة ابيه ابراهيم حنيفا مسلما، و بالتقرب الى ربه خاشعا و مخلصا، و بالدعاء إياه خوفا وطمعا، و بالتوكل عليه مؤمنا غير مشركا، حتى رضي ربه بخدمته. وسماه بأحسن المسميات فقال : "هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ ( أي في الكتب المتقدمة ) وَفِي هَـٰذَا (يعنى القرآن). و بذلك سماه أبوه ابراهيم داعيا ربه عند بناء الكعبة، (( ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك))، فو الله ان هذا لشرف عظيم لا يساويه ملوك الأكاسرة ، وعز لا تقابله تيجان القياصرة. و مجد لا يناله الا من خدم ربه.


أنامُسْلمٌ والمَجدُ يقْطُرُ كالنَّدى * والعِزُّ كُلّ العزِّ في إيماني
أنا للحياةِ رواؤها ودواؤها * وأنا الشِّهابُ إذا بدا سَتراني


و هذ الشاب اذا بدا ستراه فى خدمة مولاه، يدعو الناس الى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، يأمرهم بالمعروف و ينهاهم عن المنكر، يبشرهم برضوان الله و ينذرهم بعذابه، ويوم القيامة يكون الرسول شهيدا على تبليغه، و هو يكون شهيدا على تبليغ الرسل الى اممهم، كما قال تعالى : {لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} فبين الله تعالى أنه سماه بذلك الاسم لهذا الغرض، أي ليكون الرسول شهيدا على تبليغه،
أيها المؤمنون، فضلكم الله على الأمم وسماكم بهذا الاسم الأكرم، لأجل الشهادة المذكورة. فلما خصكم الله بهذه الكرامة فاعبدوه ولا تردوا تكاليفه، و اجعلوا شعاركم «نحن قوم ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة»، العز كل العز فى طاعة الله وقد قال ربنا جل وعلا : «من كان يريد العزة فلله العزة جميعا»، والذل كل الذل فى معصية المولى كما قال تعالى : {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ} [طه: 124] ومن طلب العز عن غير دين الله اذله الله.


بينما كانت ابنة "هولاكو"- قائد التتار- تتجول فى شوارع بغداد رأت حشداً غفيرا من الناس يجتمعون بمجلس أحد العلماء، فسألت متعجبة: ما هذا؟ فأخبروها أنه رجل من علماء الدين الذي يلتف الناس حولهم، فأمرت أن يأتوها به مربوط الرجلين واليدين بعمامته وحافي القدمين.. ففعلوا ووضعوه أمامها، سألته: أنت رجل الدين؟ فقال: نعم قالت: إن الله يحبنا ولا يحبكم؛ فقد نصرنا عليكم ولم ينصركم علينا، وقد علمت أن الله تعالى قال: {وَاللَّـهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ} [آل عمران:13]
فلم يجب العالم وإشترط أن يرد على كلامها أن يفكوا قيده وأن يجلس على كرسى مثلها، فوافقت على شرطه وأعادت عليه الكلام.فقال لها: أتعرفين راعى الغنم؟ قالت: كلنا يعرفه، فقال: أليس ما عنده غنم؟ قالت: بلى، قال: ألا يوجد بين رعيته بعضاً من الكلاب؟ قالت: بلى قال: وما عمل الكلاب؟ قالت: تحرس له غنمه وتعيد له الغنم الشاردة حتى ولو أصابها بجروح إذا إمتنعت وأبت..! قال لها: إنما مثلنا ومثلكم كذلك، فالله تعالى هو الراعى ونحن الغنم وأنتم الكلاب، فلما شردنا عن أوامر ربنا سلط الله تعالى الكلاب علينا ليردونا إليه مرة أخرى!!......... ولا أعلم صحة هذه القصة ولكن لا مانع بالاعتبار بها، لان التتار وغلبتها على المسلمين حقيقة أتت بها كتب التواريخ ، و حال المسلمين آنذاك أضعف مما ذكر فى هذه القصة المذكورة.
اللهم إنك اجتبيتنا لخدمتك، و رفعت عنا الإصر والأغلال التي كانت على الأمم السابقة، و أمرتنا باتباع ملة أبينا ابراهيم عليه السلام، وسميتنا بأكرم الأسماء " المسلمين " لغرض خدمة الاسلام و تبليغ الدين، و بذلك يشهد علينا يوم القيامة رسولك الكريم، ونشهد على الامم السابقة بإنذارهم أ من عند نبيائهم أجمعين، فاللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك و يا مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك، و وفقنا لإعلاء كلمتك و لخدمة دينك، ولا تطردنا عن جنابك و لا عن الاشتغال بطاعتك ، برحمتك يا أرحم الراحمين.


أقول قولي هذا واستغفروا الله لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه إنه هوالغفورالرحيم.

التفاصيل
مهم!

هل أنت كاتب؟

وتريد نشر كتابتك إلى القراء من شتى بلاد العالم؟ أرسل مقالك على بريد قسم المقالات :
article@madarisweb.com
أو أرسل عبر صفحة الاتصال من هنا

المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC ، شبكة المدارس الإسلامية | 2010 - 2016