فوزالإسلاميين وسقوط اللبراليين 2005م

انتخابات المجلس الوطني والمجالس الإقليمية في باكستان


في الدوائر المهمة:


فوزالإسلاميين وسقوط اللبراليين


 


قبل مأتي سنة أو أكثر كان المسلمون أولي أمر ونهي، وحكومة ودولة، في شبه القارة الهند و باكية وما جاورها من المناطق، ولكنهم لما أذنوا الإنكليز ببناء مؤسسات تجارية في مناطقهم، فكان ذلك أول شُجيرة خبيثة نبتت في حقولهم ومزارعهم فأفسدت عليهم الحقل والزرع كله، والبحث في هذا المجال طويل.


ثم بعد أعوام لما شعر المسلمون أن حريتهم سُلبت وأن دولتهم، فقاموا وأقاموا معهم الأقوام والشعوب الأخرى القاطنة معهم جنباً لجنب لتحرير أراضيهم وإستعادة أملاكهم من المستعمرين فضحّوا فيها بكل أغلى وأرخص من الأنفس والأموال سياسةً وصحافةً وجهاداً.


فلما أحس المستعمر أنه لا يستطيع أن يستقل ويستقر هنا بل لا بدّله أن يربط عفشه يوماً ما، ليرتحل إلى مسقط رأسه، فأوقع بين المسلمين التفرقة  والتشتت وأوقد ناراً للحرب بينهم بعملائه ومرتزقيه، فتفرق المسلمون إلى فريقين: فريق يحارب ويجاهد ليحرر جميع ما اغتُصب منه من الأراضي والمناطق في شبه القارة وضمّوا إلى أنفسهم في هذه العملية الثقيلة عير المسلمين أيضاً كالسيخ والهنود والبوذيين.


وفريق آخر كان يقاوم المستعمر ويكافحه لاستحصال قطعة تخص بالمسلمين ليؤسسوا هناك دولة إسلامية حكماً وقانوناً ودستوراً نموذجاً ومثالاً وموديلاً للعالم أجمع.


وكان أمر الله مفعولاً، فرزق الله سبحانه وتعالى شبه القارة كلها الحرية من الاستعمار الأجنبي فتحررت البلاد واستقلت وتقطعت الهند إلى قطعتين: الهند وباكستان.


فالفريق الأول كان فرحاً فخوراً لاسترجاع المنطقة جميعها عن الأيدي الاستعمارية الغاشمة الضارية. والفريق الثاني أيضاً كان مسروراً لتحصيله وفوزه بقطعة أرضية خاصة بالإسلام والمسلمين وذلك في سنة 1947م .


فهذا الفريق الثاني كما يقال أنه كان اختلاقاً إنكليزياً وإيجاداً استعمارياً كلما طولب بتنفيذ الشريعة في الدولة تقديماً للنموذج الإسلامي للعالم أجمع حسب مرسومهم وقراراتهم ولا سيّما نعرتهم الشهيرة: " معنى باكستان ما هو: لا إله إلا الله ". تذبوبوا وتخلفوا وتسوّفوا وتماطلوا وتملقوا واعتذروا...وأنهم كل مرة كانوا يطلبون الأصوات من عامة المسلمين باسم تطبيق الشريعة، وترويج القيم الإسلامية، وتوطيد العلاقات بالدول الإسلامية مكان أمريكا وحلفائها المشؤمين المنحوسين.


ولكن للأسف الشديد، بعد فوزهم في الانتخابات وتسلطهم على كرسي الحكم ينسون كلما وعدوه، ولم يحركوا ساكناً في ذلك، ولعله لم يخطر ببالهم تحكيم الإسلام والقرآن الكريم في البلاد، بل استمروا على المنوال الإنكليزي والقانون الإفرنجي، حتى وصل بهم الأمر أنهم تمسخروا حيناً بعد آخر بالقوانين الشرعية والتعزيرات الإسلامية.


ومن هنا بدأ العلماء وأصحاب الفكر الإسلامي الراسخ بالخوض في السياسة الانتخابية ليقاوموا وجهاً لوجه عملاء الإنكليز والذين ربّاهم الإفرنج على طريق ظاهرُهم إسلامي وباطنهم إنكليزي حتى وصل ثلاثة أو أربعة من العلماء الكبار إلى البرلمان في عهد الجنرال أيوب خان (58-68) ثم ارتفع شيئاً في عهد ذي الفقار علي بوتو، (71-77) ثم ارتفع في  عهد الجنرال ضياء الحق (77-88) وبالتالي في عهدي بينظير بوتو ونوازشريف (88-98) حتى جاء دور الجنرال برويز مشرف.


 وفي هذه العهود الماضية كان العلماء والإسلاميون الآخرون يساهمون في الإنتخابات من مختلف دوائرهم وحلقاتهم وزواياهم مستقلين بأحزابهم، كجمعية علماء الإسلام، والجماعة الإسلامية، وجمعية علماء باكستان، وجمعية أهل الحديث، وغيرها من المنظمات والأحزاب الإسلامية. وقبل ذلك كان كل حزب مذهبي يفوز بمقعدين أو ثلاثة وطنياً أو إقليمياً إلا أن جمعية العلماء كانت تنجح بتشكيل الحكومة مشاركة مع أية جماعة أخرى في بلوشستان مرات عديدة، ومرةً فازت في الإنتخابات وشكلت الحكومة في إقليم سرحد خيبر بختونخوا تحت رئاسة الشيخ المفتي محمود قائد الجمعية الأسبق، فهو نفّذ القوانين الإسلامية في الإقليم في عهده، فحصل على ذلك بتهنئات من شخصيات إسلامية عظمية مثل الملك خالد بن عبدالعزيز السعودي والشيخ ابن باز والعقيد معمر القذافي....


وفي هذه المرة رزق الله تعالى العلماء والمشايخ والإسلاميين أن يتحدوا فيما بينهم في مقابلة القوى الليبرالية أو بتعبير آخر ضد القوى العلمانية اللادينية فشكل الإسلاميون اتحاداً واسعاً باسم " مجلس العمل المؤحد " مشتملاً على الأحزاب الإسلامية الآتية: جمعية علماء الإسلام (ف) الجماعة الإسلامية، جمعية علماء باكستان، جمعية علماء الإسلام (س) جمعية أهل الحديث، الحركة الإسلامية، وانتُخب الشيخ العلامة شاه أحمد النواراني رئيساً للمجلس، والقاضي حسين أحمد ومولانا سميع الحق ومولانا ساجد مير وساجد النقوي انتُخبوا لنيابة الرئيس، والشيخ فضل الرحمان انتُخب أميناً عاماً للمجلس، وهكذا بدأت القافلة سيرها وتحركت رويداً رويداً.


علماً أن هذا التحالف الإسلامي تشكل قبل الانتخابات السابقة بسنة، لتوحيد كلمة الإسلاميين وجمع شملهم في القضايا الوطنية والإقليمية والدولية دعوياً وسياسياً وجهادياً على رصيف واحد. وكانت الأوساط الدينية والرجالات الإسلامية وعامة المسلمين وخاصتهم استقبلت هذا التحالف اسقبالاً حاراً في ربوع باكستان على جميع المستويات، وكانت تُرحَّب زعماء هذا التحالف الجديد بكلمات غالية، وكأنهم كانوا يفرشون في طرقهم جفونهم فرحين بهم.


فلما أعلن الجنرال برويز مشرف رئيس الدولة عن عقد الانتخابات العامة للمجلس الوطني والمجالس الإقليمية في أكتوبر السالف2005، أعلن قادة " مجلس العمل الموحد " بالخوض في المعارك الانتخابية من هذا الرصيف الجديد، ورفضوا المساهمة في الانتخابات مستقلين بأحزابهم. فمن هنا تقوى هذا التحالف وظهر كأكبر اتحاد في انتخابات أكتوبر السالف في مقابلة " الحزب الشعبي الباكستاني " التيار العلماني وحزب " رابطة المسلمين (ن) و (ق) التيار الموالي لأمريكا وحلفائها.


فالحمدلله تعالى أولاً وآخراً أن الانتخابات لما انعقدت فاز المجلس الإسلامي بأغلبية كاسحة في برلمان " kpk " المكون من (130) مقعداً حتى شكل حكومة سرحد بوحده ولم يفتقر إلى صوت أي عضو آخر من المستقلين ولا من الأحزاب الأخرى، وانتُخب محمد أكرم خان الدراني رئيس الوزراء وبخت جهان خان رئيس البرلمان وإكرام الله شاهد نائب رئيس البرلمان.


ونجح بثلث مقاعد البرلمان في إقليم " بلوشستان " المتكون من 64 مقعداً، فشارك في الحكومة مع " الاتحاد القومي الأكبر "  وحصل على منصب رئاسة البرلمان، ومنصب المحامي العام، وثلاثة مستشارين مع ثمانية وزراء بعد اتفاقية مع المشاركين في الحكومة على تنفيذ القوانين الإسلامية حسب قرارات مجلس الفكر الإسلامي وحسب قرارات دستور 1973م.


أما في إقليم بنجاب وإقليم سند فلم يفزالمجلس بأغلبية فائقة بل حصل على تسعة مقاعد في بنجاب وعشرة في سند فلقلة أعضائه في هذين الإقليمين قرر المجلس عدم المشاركة في الحكومتين مع الآخرين، لأن قلة الأصوات هناك لا تستطيع أن تحرك ساكنا في تحكيم الشريعة أو أي تقنين لصالح النظام الإسلامي، وهذا هو كان أنسب.


وفي المجلس الوطني أيضاً فاز المجلس بحمد الله تعالى وكرمه في الدوائر المهمة كدائرتي العاصمة " إسلام آباد " فاز المجلس بإحداهما. كما فاز بثمان دوائر انتخابية فى المناطق الحرة  المجاورة لأفغانستان من بين اثنتي عشرة دائرة. وفاز المجلس بأكثر دوائر مدينة بشاور عاصمة kpk، والدائرة الوحيدة لمدينة كويته  عاصمة بلوشستان، وبدائرتين في  لاهور عاصمة بنجاب، وخمسة في كراتشي عاصمة السند، العاصمة الاقتصادية لباكستان.


وفور نجاح المجلس الوطني أيضاً في الانتخابات سحبت أمريكا وحليفاتها قواتها من كراتشي ومن بعض المناطق التي كانت توجد فيها قواتها، وبدأت تُظهر الرفق واللين في لهجتها ضد المجاهدين وطالبان ومنظمة القاعدة والمدارس الدينية، وتخلّفت الحكومة الحالية البرويزية عن تنفيذ بعض مراسيمها الرئاسية بل وألغت بعضها. وأطلق سراح المعتقلين الذين اعتقلوا في أفغانستان وانتقلوا إلى باكستان، أو اعتقلوا هنا داخل باكستان بشبهة الانتماء إلى منظمة القاعدة أو طالبان، وهكذا خفّف الله تعالى بعض المصائب الداهية عن الشعب ولا سيّما عن الإسلاميين أو بعبارة أخرى عن المجاهدين بعد الحملات الصليبية الأمريكية الدموية الظالمة في أفغانستان.


وحينما حاول المجلس تشكيل الحكومة في الوطن، ورشح لياقت بلوش لرئاسة البرلمان والحافظ حسين أحمد لنيابته، والشيخ فضل الرحمان لرئاسة الوزراء عرقل الجنرال برويز وأمريكا ضد المجلس عدة عراقيل وسوّف الجنرال وماطل في الأمر ومهد السبيل لرابطة المسلمين (ق) وحزب الشعب الباكستاني، وهزّ العلم الأخضر لهما أن يتحدوا ضد " المولوية " بتعبيرهم، والحق أن الجنرال لم يكتف فقط على الإشارات بل هدّد بعض أعضاء البرلمان الجدد تحصيلاً لتأييدهم وخوّفهم بسوء العواقب، وأخيراً تحالف الحزبان الرابطة، والشعب ضد المجلس وشكّلا حكومةً، ً انتخب رئيس وزرائهم بأغلبية صوت واحد في مقابلة حزب المعارضة  ومن الغد علّق المحللون السياسيون أن الحكومة مضطربة أساسياً كبيت العنكبوت فإنها إما تكون مضطربة إلى النهاية أو تسقط على وجها قبل مدتها، وإذا كانت الظروف هكذا، فإنهابالتاكيد لا تستطيع أن تقوم بأية خدمة جديدة بالذكر لصالح الشعب ولا لصالح الجمهورية، ولا لصالح العالم الإسلامي.


 


(2005)

التفاصيل
مهم!

هل أنت كاتب؟

وتريد نشر كتابتك إلى القراء من شتى بلاد العالم؟ أرسل مقالك على بريد قسم المقالات :
article@madarisweb.com
أو أرسل عبر صفحة الاتصال من هنا

المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC ، شبكة المدارس الإسلامية | 2010 - 2016