كيف الخروج من الخسارة؟

كيف الخروج من الخسارة؟


والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصو بالحق وتواصوا بالصبر،


صدق الله العلي العظيم وصدق رسوله النبي العربي الكريم.


إخواني في الله،إن هذه السورة من القرآن الكريم قد جاءت في غاية الإيجاز والبيان، لتوضيح سعادة الإنسان أو شقاوته، ونجاحه في هذه الحياة أو خسرانه ودماره، وقد أقسم الله تعالى بالعصر، وهو الزمان الذي يقضي فيه الإنسان عمره، ويرى الآيات والعجائب الدالة على وحدانية الله عزوجل وكمال قدرته، أقسم على أن جميع الإنسانية في خسران وهلاك لأنه يوفِّر العاجلة على الآجلة وتسطو عليه الملذات والشهوات، يدل عليه أنه جمع تبارك وتعالى كافة الإنسان في خسران ونقصان، ثم ذكر أربع طرق للخلاص من هذا.


أولاً: الإيمان الذي هو جوهر الفلاح ومادة الفوز في الدارين، ويتفرع منه الإسلام الذي هوالانقياد الكامل لما جاء به الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم كما قال عزوجل: فلا ربّك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما.وهذا الحكم يشمل جميع القضايا - شخصيةً كانت أو اجتماعيةً، شعبيةً كانت أو دوليةً، اقتصاديةً كانت أو خلقيةً - .


ثانياً:لأن هذا الوصف لا يكتمل إلا بالأعمال الصالحة فلذا أردفه بقوله تعالى: وعملوا الصالحات. فالقيام بالعمل الصالح هو الذي يشحِّذ الإيمان ويوصله درجة القبول والكمال عند رب العالمين.


فخير شاهد على ما قلنا ما نشاهده في القرآن المجيد أن الله عزوجل لا ينفك  يذكر الإيمان والعمل الصالح مقترنين لا يفترق أحدهما من الآخر و وعدالمؤمنين الخُلَّص مواعد حسنة، فقال عزوجل وهو على كل شيئ قدير: وأما من آمن وعمل صالحا فله جزاء الحسنى، وقال: وعدالله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليتسخلفهم في الأرض.... وقال: وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار.... وقال: فأما من تاب وآمن وعمل صالحا فعسى أن يكون من المفلحين. وقال أيضاً: من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة . والحياة الطيبة تشمل وجوه الراحة المختلفة وكل مناحي السعادة في الدنيا من الصحة والرزق الحلال الطيب، والطمأنينة النفسية وراحة البال التي حرم منها الكفار رغم الأموال الطائلة ،وكذاالتوفيق إلى الطاعات التي تؤدي إلى رضوان الله تعالى.


أيهاالمسلمون، إن الأعمال الصالحة ثمرات الإيمان الطيب وفروع الشجرة الطيبة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء وآثار حسنة للإيمان الكامل في الخلد ولن تضيع أبداً ما صدرت ابتغاءً لوجه الله تعالى فإنه لا يضيع أجر المحسنين، فالأعمال إما لك وإما عليك، فلننظر إلى ما قا ل الله عزوجل في كتابه الخالد حكاية عن لقمان الحكيم: يا بني، إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو فى الأرض يأت بها الله، إن الله لطيف خبير. وكذلك تنفع الأعمال الصالحة ذرية العبد الصالح وعقبه فقال عزوجل: والذين آمنوا واتبعهم ذريتهم بإيمان الحقنابهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيئ كل امرئ بما كسب رهين. وقال عز من قائل قولا حاسما يسرّ قلوب المؤمن ويزيد الصادقين صدقاً وإيماناً فقال: وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنزلهما وكان أبوهما صالحا.... وقبل هذه الآية ذكر الله عزوجل أن العمل الصالح يصونه من الآفات الدنيوية والأخروية كما ورد في الحديث النبوي الشريف: الصدقة ترد البلاء "فقال تعالى وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا، فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما.


 ثالثاً: الذي تحدثت عنه هذه الآية هو التواصي بالحق، وكلمة الحق تحتوي على الخير كله، فأشارت إلى أن المؤمنين يعملون الصالحات بأنفسهم ويأمرون الآخرين بالمعروف وينهون عن المنكر حسب ما يستطيعون ولا يخافون في ذلك لومة لائم، وبهذا علمنا أن القيام بالأعمال الصالحة من نفس العبد لا يكتفي بل لا بد أن يتجاوز إلى النفوس الأخرى فيوصي بعضهم بعضاً بالحق والخير وعبادة الرحمن من دون  قسر وإكراه وبملاطفة وترحم في أول الأمر وإذا اعوجَّت السبل وانحرفت النُهى فالمجادلة بالطريقة الحسنى ربما تُزيح الشبهات وتزيل العراقيل، والله المستعان.  


رابعاً:في هذه الآية هو التواصي بالصبر، والصبر على أنواع: الصبر على الطاعات، والصبر على المكاره، والصبر عن المعاصي، فالصبر على الطاعات يعني أن تنقاد النفس للشريعة الإسلامية بالمعنى العام والصبر على المكاره عبارة عن تحمل المشقات والمتاعب في سبيل الله جل وعز من غير تلهف وتأسف، والصبر عن المعاصي يُعبَّر به عن ردع النفس ونهيها عما تتوق إليه من الملذات والملاهي، ابتعاءً لوجه الله تبارك وتعالى.


 فهذا الجانب الرابع التواصي بالصبر يتطلب منا هذه الأنواع الثلاثة للصبر، وأن يوصي بعضنا بعضاً بها، فإذا كان أحدنا مصاباً بأي مصيبة وبلية دنيوية أو أخروية فعلى  الأخ المسلم الآخر أن يتعاهده ويوصيه بالصبر والصلاح والتقى ففيه نجاة الأمة المسلمة التي وُصفت بخير أمة أخرجت للناس كافةً.


 أيها الحشد الكريم،كماقد أشارت هذه السورة على اختصارها وإيجازها إلى الدستور الإسلامي كله، ووصفَته وصفاً دقيقاً للأمة الإسلامية، وهدت إلى سبل الفوز والفلاح في الدارين، ولهذا الإعجاز القرآني قال الإمام الشافعي رحمه الله: لو لم ينزل الله سوى هذه السورة لكفت الناس " ويُروى أن صحابيين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانا يتلا قيان ولا يفترقان حتى يُذاكرا فيما بينهما سورة العصر يتلو أحدهما ويسمع الآخر، ذلك لئلا يغيب عن الأذهان ما تُقرِّر هذه السورة بمجموعها أن الإنسان من حيث الجنس في خسران وضلال إلا الذين جمعوا بين الإيمان وصالح الأعمال وبين الإعداد المادي والمعنوي وترجموا الأقوال إلى أفعال وأعمال، وباعوا الخسيس بالنفيس.


إخوة الإيمان،إن المسلمين الأوائل ظهروا وتزعموا العالم، وعزلوا الأمم المزيفة وساروا بالإنسانية سيراً سريعاً متّزناً عادلاً، وسبب ذلك لا يرجع إلا إلى أنهم كانوا في تواددهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمّى والسهر فنشأت فيهم مميزات وصفات أهَّلـتهم لقيادة الأمم فما كانوا يُقنِّنون ولا يُشرِّعون إلا مستضيئين بالنور الذي أوتوا من الله جل جلاله: قد جاء كم من الله نور وكتاب مبين، يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم.  فإن آباءنا لم يتنازلوا عن شيئ من عقيدتهم أو دينهم أو مبادئهم أو أراضهم من أجل الحصول على حطام الدنيا، وكانوا إذا تولوا شيئاً من أمور الناس لم يعُدّوه مغنماً بل عدُّوه أمانةً على عواتقهم وابتلاءً من الله عزوجل، وكانوا لا ينسون الموقف أمام القهار الجبار المقتدر الذي قال في كتابه: وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى، فإن الجنة هي المأوى. وقا ل عز من قائل في آية أخرى: وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فيما آتاكم. ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.


فإني كفرد من الأمة أهيب بالمسلمين أن يقفوا وقفة متأمل ومجاهد أمام ما يجري من الأحداث التي تعصف هذه الأمة من مشرقها إلى مغربها ومن شمالها إلى جنوبها، وأمام الدسائس والتحديات ولمؤامرات التي تواجهها فينة بعد فينة، فإن الجراح عميقة والمآسي ضخمة، والأحداث متتالية ومتعالية، فهيا ندعوا الله عزوجل أن يصلح شبابنا وكبارنا ورجالنا ونساءنا وأفرادناوحكوماتنا وأن يوفق كل واحد من الأمة لإصلاح نفسه وأهله وبيئته ودولته حتى لا يكون في  الدنيا إلاسلام وإسلام وأمن وإيمان وينكسر الكفر وأهله في ربوع العالم كله.


ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا   كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفرلنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين.


اللهم إنا نسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك والغنيمة من كل برو العافية من كل إثم يا أرحم الراحمين.


ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب.


اللهم إني أعوذبك من العجز والكسل، والبخل والجبن، والهرم وعذاب القبر، اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكّاها، أنت وليها ومولها، اللهم إني أعوذبك من قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن علم لا ينفع، ومن دعوة لا يُستجا ب لها.


اللهم استرعوراتنا وآمن روعاتنا.


اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى.


اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك وأغننا بفضلك عمن سواك


 ربنا أفرغ صبراً وثبت اقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين. 


سبحان ربك رب العزة عمّا يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.


 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


 


(خطبة الجمعة في المسجد الفاروقي بالجامعة الفاروقية بكراتشي)


 

التفاصيل
مهم!

هل أنت كاتب؟

وتريد نشر كتابتك إلى القراء من شتى بلاد العالم؟ أرسل مقالك على بريد قسم المقالات :
article@madarisweb.com
أو أرسل عبر صفحة الاتصال من هنا

المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC ، شبكة المدارس الإسلامية | 2010 - 2016