هل يجوز تصحيح الحديث وتضعيفه في هذا الزمان؟
هل يجوز تصحيح الحديث وتضعيفه في هذا الزمان؟

بسم الله الرحمن الرحيم


هل يجوز تصحيح الحديث وتضعيفه في هذا الزمان؟


تصحيح الحديث وتضعيفه يحتاج إلى معرفة تامة بعلم العلل والأسانيد، والاستقراء التام لرواة الحديث النبوي الشريف ومتونه الشريفة مع جمع طرقها، ولعمري إن هذا العلم لا يمكن بتقليب كتب الرجال مثل تهذيب التهذيب، وأول شيء نحتاج إليه هو الإحاطة بعلل الأحاديث، ومعظم أبناء زماننا لا يعرفون معنى العلل على معناه الحقيقي فضلا على أن يطالعوا كتب العلل مثل علل الدارقطني، وقد تقاصرت العزائم والهمم، لذلك ذهب الإمام الشيخ أبو عمرو بن الصلاح إلى أنه لا يجوز لأحد في هذا الزمان تصحيح الحديث أو تضعيفه لقصور الهمم، إنما هو الاستفادة من تحقيقات المتقدمين، وبنى على ذلك التقسيم السبعي لمعرفة صحة الحديث.


ولكن المحققين من العلماء الكبار أجازوا الحكم على الحديث بشروط، وكل واحد منهم ذكر شرطا دون شرط، والمقصود من ذلك أنه ليس لعبة العامة، فيتجرؤوا على الأحاديث الشريفة بمجرد الاطلاع على تقريب التهذيب للحافظ ابن حجر رحمه الله ويحكم على الحديث بناء عليه.


فقال الإمام النووي رحمه الله: يجوز لمن تمكن من الحديث الشريف وقويت معرفته به، وزاد ابن حجر رحمه الله: أن يكون محدثا متقنا متأهلا لمعرفة الصحيح من غيره ولم يجد فيه علة، وزاد السخاوي رحمه الله: أن يبلغ الحافظ المتأهل الجهد وأن يبذل الوسع في التفتيش على ذلك المتن من مظانه. وزاد الأمير الصنعاني: لمن وجد في هذه الأعصار حديثا لم يسبق عليه كلام إمام من الأئمة بتصحيح ولا غيره. وزاد العراقي: وأن يفحص عن أسانيده وعلله. وقال ابن الملقن بعد حكايته قول ابن الصلاح: قلت: "فيه نظر لا جرم، خالفه فيه النووي" ثم حكى قول النووي وأيده بقوله: "وهو كما قال لعدم المعنى الذي علل به الشيخ".


وهذه الشروط ذكر السابق شرطا وتمم اللاحق ما نقص. ولو رأيت صنيع هؤلاء الأئمة الأعلام من بعد القرن الرابع –وهو نهاية خير القرون- في كتبهم المؤلفة لوجدت أنهم ينقلون من المتقدمين تصحيحا وتضعيفا مع سعة علمهم وطول باعهم كالإمام النووي في رياض الصالحين وغيرها، والذهبي في كتبه، وابن حجر العسقلاني في كتبه خصوصا في بلوغ المرام، والسخاوي في المقاصد الحسنة والعراقي في تخريج الإحياء والمنذري في الترغيب والترهيب وغيره، والسيوطي في كتبه؛ بل قال السيوطي عند كلامه على حديث "طلب العلم فريضة على كل مسلم": "جمعت له خمسين طريقا وحكمت بصحته لغيره، ولم أصحح حديثا لم أسبق لتصحيحه سواه".


ولرأيتهم يطبقون تلك الشروط كلها على أنفسهم ويحتاطون في الحكم على الأحاديث الشريفة، وهم فحول العلماء والمحدثين اللهم إلا إذا لم يجدوا قول أحد من المتقدمين عليهم فيصححون ويضعفون على حسب ما يؤدي إليه اجتهادهم، وهم مع ذلك يحتاطون فلا يصححون الحديث بل يصححون السند كقول الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وكقول الهيثمي: رواته ثقات.....


وأنا أنقل إليك ما قاله الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله في كتابه النكت على ابن الصلاح(1449):


"وإذا تقرر هذا فسبيل من أراد أن يحتج بحديث من السنن أو بأحاديث من المسانيد واحد؛ إذ جميع ذلك لم يشترط من جمعه الصحة ولا الحسن خاصة، فهذا المحتج إن كان متأهلا لمعرفة الصحيح من غيره، فليس له أن يحتج بحديث من السنن من غير أن ينظر في اتصال إسناده وحال رواته كما أنه ليس له أن يحتج بحديث من المسانيد حتى يحيط علما بذلك.
وإن كان غير متأهل لدرك ذلك فسبيله أن ينظر في الحديث إن كان خرج في الصحيحين أو صرح أحد من الأئمة بصحته، فله أن يقلد في ذلك.
وإن لم يجد أحدا صححه ولا حسنه فما له أن يقدم على الاحتجاج به فيكون كحاطب ليل فلعله يحتج بالباطل وهو لا يشعر."


 ونقل الشيخ محمد بن عزوز المغربي عن الحافظ ابن حجر رحمه الله في تعليقه على شرح ابن خضراء للبيقونية: على كل حال لا يجوز التسرع في الحكم على الحديث بتقليب كتب في الرجال كما يتوهم بعض الناس، بل يجب الاحتياط الشديد في هذا الأمر، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فلكل علم رجال يعرفون به".


فعلم مما سبق أن مذهب الإمام ابن الصلاح رحمه الله ومن تبعه هو الصحيح في حق أمثالنا من طلاب العلم والعامة؛ أنه لا يجوز التصحيح والتضعيف في هذا الزمان فضلا على زمنه! إلا أن يخلق الله في هذا الزمان مثل الحافظ ابن حجر والنووي والسيوطي والسخاوي وغيرهم ممن وجدت فيهم تلك الشروط التي شرطها العلماء، وقد سبقت تلك الشروط في أعلى المقالة، وألخصها تذكيرا:



1.أن يجد حديثا لم يسبق عليه كلام إمام من الأئمة بتصحيح ولا غيره.


2.أن يكون حافظا متقنا متمكنا متأهلا لمعرفة الصحيح من غيره، قوي المعرفة.


3.أن لا يجد فيه علة.


4.أن يبذل الوسع في التفتيش على ذلك المتن من مظانه، وأن يفحص عن أسانيده وعلله، فإذا تكاملت في أحد هذه الشروط فقد يسوغ له الحكم في حديث من الأحاديث التي لم يسبق عليه كلام أحد من الأئمة.


وأخيرا أريد أن أحذر القراء الكرام من المتمجهدين الذين طال لسانهم في الأحاديث الشريفة مع جهلهم بكثير من الثقافات العامة التي لا يسوغ لأدنى مسلم أن يجهلها فضلا على أن يكون في درجة يتجرؤ على الحكم على الأحاديث الشريفة.


التفاصيل
مهم!

هل أنت كاتب؟

وتريد نشر كتابتك إلى القراء من شتى بلاد العالم؟ أرسل مقالك على بريد قسم المقالات :
article@madarisweb.com
أو أرسل عبر صفحة الاتصال من هنا

المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC ، شبكة المدارس الإسلامية | 2010 - 2016