بين الاستعمار الفرعوني والأمريكي

ما أشبه الاستعمار الأمريكي بالاستعمار الفرعوني،الطاغوت طاغوتٌ مهما يكن، وأينما يكن، ومتى ما يكن. فلو ألقيت نظرة ممعنة على التأريخ الإنساني، لوجدت توارثاً منسَّقاً بين عمليات الطواغيت ظلماً وطغياناً وعدواناً ولألفيت ترابطاً كاملاً بين نظرياتهم وأفكارهم استكباراً وغروراً وهمجية.


فمن بدايات التأريخ البشري إلى يومنا هذا ترى أن التخطيطات والمؤامرات والدسائس التي قام المستعمر المتجبِّر المتألّه في أرض الله تعالى من الاستخفاف برأي القوم، والاستفزاز والاستعباد والاستحقار، والعُجب بنفسه والانخداع بزخارف الدنيا، والتغافل عن الآخرة والإعراض عن مَن خلق الأرض ومن عليها، اتخذها كل من المستعمرين الطغاة كأسوة وقدوة لهم زمن ملكوتهم وجبروتهم ورهبوتهم.


فعلى سبيل المثال هيا بنا لننظر ونطالع نكات الاستعمار الفرعوني البشِع.... فإنه تركزعلى خمسة أهداف رئيسية:


1 العقيدة 2 التعليم 3 الاقتصاد 4 الارتباطات والعلاقات الخارجية 5 والقتل والتشريد.


 وحاول أن يزلزل بنيان بني إسرائيل القائم على عقيدة التوحيد إيماناً بالله الواحد القهار، فردّ عقيدتهم هذه ردّاً عنيفاً بقوله: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَىٰ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾[1] وبقوله :﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ ﴾[2].  


 وحرّمهم عن التعليم والتثقيف، حتى صاروا بلداء سفهاء حمقى لجهالتهم وأميتهم كما هو أظهر من معاملاتمهم ومكالماتهم مع سيدنا موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام حتى اضطروه عليه السلام إلى أن يقول لهم: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَىٰ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَهُمْ ۚ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ۚ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ﴾[3]. وسلب عنهم فرص التجارة والتمويل والاستثمار فصاروا عالة على قوم فرعون كخدام وحجاب ورعاة وزبالين، يخدمون في بيوتات الأقباط رجالاً ونساءً، شباناً ومشايخ، برواتب تافهة، حتى كانوا يستعيرون ملابس وحلياًّ وأشياء أخرى في مناسباتهم من قوم فرعون،كماقال تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ ۖ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّىٰ يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ﴾[4]
وقال أيضاً: ﴿ قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَٰكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَٰلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ ﴾[5]  ومن المعلوم أن الفقر كاد أن يكون كفرا.  


     وأخيراً قطعٍ صلاتهم وارتباطاتهم بأهل الإيمان والتوحيد خارج مصر، فما كان بنو إسرائيل يعرفون أن هناك يمكن بلد أو وطن سوى مصر، فضلاً عن أناس من بني جلدتهم في كنعان ومدين ومنطقة الشام وأصحاب عقيدتهم في أكناف الأرض، كما هو تبين من طراز القرآن الكريم حول الكلام عن بني إسرائيل....وأما القتل والتشريد فمما لايخفى على أحد.


فنفس هذه النكات اتخذتها البريطانيا العظمى حين استعمارها:


 *-هجوماً على عقيدة الإسلام إنكاراً وردّاً.


*-تحريم المسلمين عن العلم والمعرفة والثقافة.


*-سلب أموالهم وفرض الضرائب المالية الهائلة عليهم.


*-قطع علاقات العالم العربي عن العالم الأعجمي الإسلامي ثم تغفيل العالم الأعجمي الإسلامي بعضه عن بعض، وتقطيعهم في دُويلات وإمارات صغيرة تحارب بعضها بعضاً.


*- قتل زعمائهم واغتيالهم لا لأمر، أولأمرتافه، وتشريد وتهجير بعضهم إلى جزيرة مالطا أو جزيرة إندومان أو غيرها....


وعلى عين ذلك الطريق تخطو أمريكا خطوات سريعة، فهي تهجم ليل ونهار من رئيس الحكومة إلى عامل في المكتب الحكومي على الإسلام، وعلى شعائر الإسلام كالحجاب، والجهاد، والأراضي المقدسة، وتُدافع عن المسيحية المحرّفة المزوّرة وتبلّغها، وكذلك إنها تعترض كلما يكون البحث على المدارس الإسلامية المنتشرة في العالم دراسةً ومنهجاً ،وتستميت في القضاء عليها ،لا سمح الله بذلك، كما تبخل في انتقال التكنولوجيا الجديدة إلى المسلمين، ف(اين، بي، تي)، و (سي، تي، بي، تي) خير شاهد على مانقول،وهي حاولت محاولات كثيفة في ضرب البنوك الإسلامية والإدارات التمويلية المصرفية الأخرى على مستوى العالم الإسلامي وعلى مستوى العالم أجمع مما لايخفى على الخبراء، والبحث في هذا المجال أطول.


كما قامت بقطع الدول الإسلامية بعضها عن البعض وألقت بينهم العداوة والبغضاء مساندة إلى بعض منها ومخالفة عن بعضها، وتسميتها بالإرهابية وبعضها شبه إرهابية وبعضها بصديقة الأمن والسلام: ﴿ إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ ۚ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ ۖ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَىٰ ﴾[6].


والأخطر من هذا الكل ليس قتل الزعماء والعلماء والقادة المفكرين فحسب، بل عامة المسلمين الأبرياء بقذف القنابل وقصف الطائرات والقبض على كثير منهم في أنحاء العالم، بدعوى أنهم إرهابيون مفسدون في الأرض: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ ۖ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَاد ﴾[7].  


بنفس هذه اللهجة وبنفس هذا الطراز يتكلم المستعمرون الأمريكان ضدالإسلام وأهله، ولا نريد بأهل الإسلام هنا الشيخ أسامة وقاعدته ولا طالبان وإمارتهم الإسلامية فقط، لا لا، بل نريد بأهل الإسلام هنا المسلمين عامة، لأن أمريكا لا تريد إنهاء هؤلاء فقط، بل إنها قامت بعدوان ضدالملك عبدالعزيز يرحمه الله في بدايات قيام إسرائيل في عهد " ترومين " رئيس أمريكا حينذاك، وقامت بعدوان وطغيان ضد ليبيا ورئيسها، وقامت بمؤامرات ضد تركيا وباكستان منذ تأسيسها، وضربت العراق ولا تزال تضربه ولديها نوايا خبيثة في حقل السودان، بل وفي هذه الأيام قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر ضد المملكة العربية السعودية، وما تفعله إسرائيل وشرذمتها ليس إلا بتأييد أكبر من الأمريكان، وأما غوانتانامو ! فما أدراك ماغوانتانامو؟ إنه مالطة جديدة أو إندومان (كالاباني) جديد، ضد أبطال الإسلام في العصر الراهن.


فنسأل الله العلي القدير الثبات والاستقامة للمسلمين عامةً وخاصةً ، وأما العاقبة فإنها حقاً للإسلام وأهله.


وصلى الله على سيدنا محمدالرسول العربي وعلى آله وصحبه وسلم.


_____________
[1] القصص: 38
[2] النازعات: 24
[3] الأعراف: 138
[4] يونس: 88
[5] طه: 87
[6] النجم: 23
[7] غافر: 26

التفاصيل
مهم!

هل أنت كاتب؟

وتريد نشر كتابتك إلى القراء من شتى بلاد العالم؟ أرسل مقالك على بريد قسم المقالات :
article@madarisweb.com
أو أرسل عبر صفحة الاتصال من هنا

المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC ، شبكة المدارس الإسلامية | 2010 - 2016