أهمية التربية الإسلامية
 أهمية التربية الإسلامية

 إنّ الأولادَ هم الرجال،والرجال كانوا أولادًا بلا ريب، ولكن هناك فروق كثيرة بين رجل ورجل، فهذا يكون أميرًا وذاك مأمورًا، وهذا مخدومًا وذاك خادمًا، وهذا كأنه هو العالَم كله وذاك كأنه لا وجود له في العالم.


 فهل يُفكِّر أحد منّا أن هذه الفروق من أين جاءت؟ وكيف تواجدت بين رجل ورجل؟ وهل صار العظيم عظيماً،والقائد قائدًا والزعيم زعيمًا بمجرد أنه رجل؟ لا؛ وإلا فالمأمور والمملوك والخادم كل واحد منهم رجل، وهل صار العظماء والقواد والزعماء بمجرد طفولتهم عظامًا وكبارًا؟ لا، لأن كل رجل آمرًا كان أو مأمورًا كان طفلاً.


إذن ما هو منبع تلك الفروق؟


ألا وذلك المنبع المنتِج لقُوّاد وخدام التربية، فالفروق ليست بين رجل ورجل في الحقيقة، بل الفروق بين تربية وتربية، فإذا نشأ الصغير وترعرع في بيئة تربوية عالية قيادية ،يكون رجلاً عظيماً مفيداً للمجتمع البشري، وإذا تربّى تربية ساقطة ناقصة، فإنه سيكون رجلاً ساقطاً يتجه نحو الانحراف، ويمشي في طريق الكفر والزيغ والفسوق والضلال،كما قيل:


وهل يرجى لأطفال كمال  **  إذا ارتضعوا ثدي الناقصات


والله سبحانه وتعالى قادر وخلاّق بديع ،يستطيع خلق الناس كبارًا ورجالاً ،دون أن يكونوا أولادًا صغارًا، ولكنه حكيم عليم، وفعل الحكيم لا يخلو عن الحكمة، فحكمته تقتضي أن يكون الإنسان طفلاً في بداية إتيانه إلى الدنيا، ثم يكبُر ويترعرع شيئاً فشيئاً، ويشِبُّ مرحلة إثر مرحلة، ليأنس بهذا العالم ومتطلباته ومقتضياته، وليتربّى على الإنسانية الصحيحة ،والفطرة السليمة تدريجياًّ، وليكون على علم واسع بالمشاكل والمصائب والأزمات ،التي تعترضه في رجولته وليعرف كيفية مقاومة تلك المشاكل إبّان طفولته وصباه، لئلا يكون عاجزًا عن التكاليف حينما يقوم بدور مثالي هام في مستقبله.


الطفولة هي التربية:


وهنا يحسن بنا أن نقف على معنى "التربية" بصفة عامة، والتربية الإسلامية، بصفة خاصة.


فالتربية لغةً: ولاية الطفل وتعهده بما يُغذِّيه ويُنمِّيه ويؤدِّبه، وهذا أقرب المعاني إلى موضوع بحثنا.


والتربية بصفة عامة اصطلاحاً: عملية تعليم تهدف إلى استثمار طاقات الفرد واستخدام قدراته ومواهبه من أجل تكوينه وبنائه، ومن أجل مجتمعه الذي ينتمي اليه.


وكذلك التربية تعني أن يُصبح الإنسان إنساناً، فيه خصائص الكائن الإنساني من التفكير والإرادة والوجدان، وهي تأخذ مكانها داخل الفرد، وتُمثِّل انعكاساً للنمو الاجتماعي وللثقافة التي يعيشها.


وأمالتربية الإسلامية بصفة خاصة: فيمكن أن يقال فيها: إنها أسلوب صناعة الإنسان لبناء المجتمع على أساس من وحدة العقيدة وقوة الفضيلة. لكي بهذه التربية الصافية والسلوك الفاضل يعيش الناس جميعاً في أمن وسلام، ووحدة وسعادة.


والتربية الدينية الإسلامية هي أشمل وأفضل من أيِّ تربية أخرى، فهي ليست تعلماً فحسب، ولا مجرد اكتساب خبرات وتجارب، ولا مشاركة ثقافية وحضارية بل هي تقوم بتكوين الإنسان من حيث عقيدة وشريعة تتناول الإنسان من جميع جوانبه ونواحيه، وتسعى به في الطريق الإلهي الصحيح إلى مدارج الكمال ومسالك العزة والسعادة في الدارين.


وخلاصة القول:


إنّ التربية الإسلامية لا تنحصر في تلك الحدود الضيقة ولا تسعى فقط لإعداد 'الولد الصالح' بل إنها تسعى لإعداد 'الإنسان الصالح' بمعناه الشامل من حيث هو "الإنسان" في أنحاء العالم، إنها التربية التي تجمع بين تأديب النفس، وتصفية الروح، وتثقيف العقل، وتقوية الجسم.


ومن هنا تبدو أهمية دراسة التربية الإسلامية للأولاد من حيث أنهم قواد المستقبل ،أو بتعبير آخر إنهم 'هم القواد'.


التربية الدينية الإسلامية في القرآن والسنة :


إن التربية الإسلامية  فن أو عملية إعداد الولد إعداداً صحيحاً، فلا بد أن يكون هذا الإعداد مستمداًّ من التشريع الإسلامي، وهذا التشريع نُظُم وقوانين تُنظّم علاقة الإنسان بربه، وعلاقة الإنسان بأخيه الإنسان، وعلاقة الإنسان بكل ما في الكون والحياة، فهذاالتشريع هو التربية، والتربية هي التشريع الإسلامي بكل جوانبه ومحتوياته من عقائد وعبادات ومعاملات وأخلاق وآداب، وما دام ذلك كذلك فإن مصادر التربية الإسلامية هي القرآن الكريم والسنة النبوية صلى الله عليه وسلم.


ومن هنا تأتي مسؤولية التربية الدينية والتلقين والتأديب في نشأة الولد وترعرعه على الانسانية الصافية الصالحة.


والولد إذا تيسر له عاملان:


الأول: عامل التربية الإسلامية، والثاني: عامل البيئة الصالحة. فإن الولد يتربى على الإيمان وعلى أخلاق الإسلام، ويصل إلى قمة الفضائل النفسية، والمكارم الذاتية..... والإسلام يُرغّب ويُحمِّل الآباء والأمهات والأساتذة والمربِّين جميعاً مسؤولية التربية في أبعد حدودها. وإن الله سبحانه وتعالى سائلهم يوم القيامة عن هذه الأمانة والمسؤولية هل أدَّوها؟، وعن هذه الرسالة هل بلّغوها وتحمّلوها؟ كما قال:


{وَقِفُوهُمْ إِنهُمْ مَسْؤُولُونَ} (الصافات:42) وكما قال: {فَوَرَبكَ لَنَسْأَلَنهُمْ أَجْمَعِينَ} (الحجر:29) .


ولكن ما هي تلك المسؤولية؟ ومن أين تعرف أن المسؤولية التي أرادها الله تعالى في هذه الآية هي التربية الدينية الإسلامية؟ فالسنة المفسِّرة للقرآن الكريم تُفسِّر هذه الآية:


¨         'الرجل راع ومسؤول عن رعيته'. متفق عليه.


¨         'والمرأة راعية ومسؤولة عن رعيتها'. متفق عليه.


¨         'علِّموا أولادكم وأهليكم الخير وأدِّبوهم'. رواه عبد الرزاق وسعيد بن منصور.


¨         'وما نحل والد ولداً أفضل من أدب حسن'. رواه الترمذي.


¨         'إن الله سائل كل راع عما استرعاه، حفظ أم ضيّع، حتى يُسأل الرجل عن أهل بيته'. رواه ابن حبان.


¨         'أدبوا أولادكم على ثلاث خصال: حب نبيكم، وحبّ آل بيته، وتلاوة القرآن، فإن حمَلَة القرآن في ظل عرش الله، يوم لا ظل إلا ظله'. رواه الطبراني.


فانطلاقاً من هذه التوجيهات القرآنية والنبوية يجب على كل مربٍّ مؤمن عاقل بصير حكيم، أن ينهض بهذه المسؤولية على أكمل وجه وأتم استعداد، وأقوى عزيمة واضعاً نصب عينيه حساب الله له إذا فرّط، وعذاب جهنم إذا  قصّر ،لأن المسؤولية يوم العرض الأكبر ثقيلة، والمحاسبة عسيرة، والهول عظيم و جهنم تنادي{هَلْ مِنْ مَزِيدٍ } (ق: من الآية 30)


التربية عند الإمام الغزالي والسيد قطب:


 يقول الإمام الغزالي: 'إعلم أن التربية في رياضة الصبيان من أهم الأمور وأوكدها، والصبي أمانة عند والديه، وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة ساذجة خالية عن كل نقش وصورة، وهو قابل لكل ما نُقش عليه، ومائل إلى كل ما يمال به إليه، فإن عُوِّد الخير وعُلّمه نشأ عليه وسعد في الدنيا والآخرة، وشاركه في ثوابه أبواه وكل معلم له ومؤدب، وإن عُوِّد الشر وأُهمل إهمال البهائم شقِي وهلك، وكان الوزر في رقبة القيِّم عليه، }والوالي له، وقد قال الله عز وجل: { قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً (التحريم: من الآية6) ومهما كان الأدب يصونه عن نار الدنيا فبأن يصونه عن نار الآخرة أولى، وصيانته بأن يؤدبه ويهذبه ويعلمه محاسن الأخلاق، ويحفظه من القرناء السوء ولا يُعوِّده التنعم، ولا يُحبِّب إليه الزينة وأسباب الرفاهية فيضيع عمره في طلبه إذا كبُر، فيهلك هلاك الأبد' (إحياء علوم الدين 3/70)  ويُعلِّق سيد قطب قائلاً:


'إن المؤمن مكلَّف بهداية أهله، وإصلاح بيته، كما هو مكلف بهداية نفسه وإصلاح قلبه، والبيت المسلم هو نواة الجماعة المسلمة، وهو الخليَّة التي يتألف منها ومن الخلايا الأخرى ذلك الجسم الحي المسمى بالمجتمع الإسلامي


ويُعقب قائلاً: 'وواجب المؤمن أن يتجه بالدعوة أول ما يتجه إلى بيته وأهله، ومن واجبه أن يؤمِّن هذه القلعة من داخلهاومن واجبه أن يسدَّ الثغرات فيها قبل أن يذهب عنها بدعوته بعيداً'.


ثم يُعقب قائلاً: 'ويتعين على الآباء المؤمنين الذين يريدون البعث الإسلامي أن يعلموا أن الخلايا الحية لهذا البعث وديعة في أيديهم وأن عليهم أن يتوجهوا إليهم وإليهن بالدعوة والتربية والإعداد قبل أي أحد آخر، وأن يستجيبوا لله وهو يدعوهم: {يَا أَيهَا الذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً} (التحريم: من الآية6).


وتتمة القول:


إن التربية الدينية الإسلامية هي فريضة عينية على المسلمين عامة، وخاصة على الآباء والأمهات، والمعلمين، والمربيين، وهي مسؤولية كبرى، والله سائل عنها يوم القيامة، والحقيقة أن القرآن الكريم والحديث الشريف  يُكلِّفان الكبار بتربية الأولاد الصغار، وهذه نبذة من هذا التكليف.


النصيحة:


هناك بعض من الوسائل التربوية المؤثرة في تكوين الولد إيمانياًّ، وإعداده خلقياًّ ونفسياًّ واجتماعياًّ، ومنها تربيته بالنصيحة والوعظ الحسن، وتذكيره بالموعظة والنصيحة ،فهذه الأمور لها أثر كبير عظيم في  تبصيرالولد حقائق الأشياء، ودفعه إلى معالي الأمور ومحاسنها، وتحليته بمكارم الأخلاق  وهذا  نموذج من النماذج القرآنية في الوعظ والنصيحة.


قال الله سبحانه وتعالى في سورة لقمان: {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَي لا تُشْرِكْ بِاللهِ إِن الشرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } (لقمان: من الآية13)


وكما قال  في سورة سبأ:


 [قُلْ إِنمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُم تَتَفَكرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنةٍ] (سـبأ: من الآية46)


فماذا يجب علينا نحن المربين؟


يجب علينا نحن المربين أن نفهم هذه الحقائق، وأن ننهج منهج القرآن الكريم في مواعظه وإرشاداته في إعداد أولادنا الصغار قبل سن التمييز ،وبعده إيمانياً وخلقياً وتكوينهم نفسياً واجتماعياً ،إذا أردنا لأولادنا الخير والكمال، والنضج الخلقي والعقلي والاتِّزان.


والقرآن الكريم ينتهج في هذا المضمار تارةً أسلوب النداء الإقناعي وتارةً بالأسلوب القصصي المصحوب بالعبَر والموعظة، وتارةً بالأسلوب التوجيهي المصحوب بالوصايا والمواعظ، ولكل واحد من هذه الأساليب أمثلة كثيرة.


نماذج من السنة حول التربية بالنصيحة:


إن الرسول  قد اهتم بالنصيحة، ووجَّه المربين والدعاة إلى إلقاء الموعظة، وإهاب بكل مسلم في الحياة أن يكون داعيةً إلى الله تعالى في كل مكان يحِلُّ وينزل فيه، وفي كل بيئة يلجأ إليها ،عسى أن يتأثر بنصائحه من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، وعسى أن يقوم بإنقاذ رجال ضاعوا في متاهات الزيغ والضلال،  فيقول رسول الله: 'الدين النصيحة' قيل: لمن؟ قال: 'لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم'.


*عن جرير (رضي الله عنه) قال: 'بايعت رسول الله  على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم'.


والأحاديث في هذا الشأن كثيرة ومستفيضة، فعلى المربين الأساتذة ومنهم والآباء والأمهات أن يأخذوا بتوجيهاته صلى الله عليه وسلم ولا سيما الأمور التي تخص أولادهم وتلامذتهم ومريديهم مليئة بالأمثلة والسنة النبوية على صاحبها الصلاة والسلام.


* فتارةً تنهج بالأسلوب القصصي في التربية ،وتارةً بالأسلوب الحواري.


* وتارةً بالأسلوب التوكيدي (بالقسم بالله تعالى).


* وتارةً بأسلوب دمج الموعظة بالمداعبة.  


* وتارة بأسلوب الاقتصاد في الموعظة مخافة السآمة.


* وتارة بأسلوب الهيمنة بالتأثير الوعظي على الحاضرين.


* وتارة بالأسلوب التمثيلي بالأشياء.


* وتارة بالأسلوب التمثيلي باليد.


* وتارة بالأسلوب التمثيلي بالرسم والإيضاح.


* وتارة بأسلوب الفعل التطبيقي.


* وتارة بالأسلوب الانتهازي للمناسبة.


فما على المربين الأساتذة والآباء والأمهات وأولياء الأمور إلا أن ينتهجوا بمناهج الرسول  في التوجيه، وأساليبه في الموعظة لكونها أحسن الطرق وأفضل الأساليب.....لأنه  ما كان ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، وقد أدبه ربه فأحسن تأديبه، فكان مؤدباً ومعلما في التربية من عند الله تعالى، ومصنوعا على عين الله ومشمولا دائما برعايته وعنايته فإذا كان الأمر كذلك فكل ما يصدر منه  من أقوال وأفعال وتقريرات فهي تشريع للإنسانية وهداية لها على مدى الزمان والأيام.


ولذا يقول الله سبحانه وتعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيراً } (الأحزاب:21)


ويقول: {مَنْ يُطِعِ الرسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ الله } (النساء: من الآية80)


فأيها المربون: بعد ما علِمتم منهجية الإسلام المتمثلة بالقرآن الكريم، والسنة المطهرة في طرائق الموعظة، وأساليب النصح ووسائل الإرشاد، عليكم أن تشحِّذوا الهمة، وتضاعفوا العزم في تنفيذ ما استوعيتموه من منهجية الإسلام، وتطبيق ما استفدتموه من طرائقه حتى تُربوا أولادكم أو تلامذتكم تربيةً سليمةً فتفتِّح قلوبهم للموعظة، ويخضعوا إلى سنن الهدى والرشاد ويستجيوا للحق والإسلام.

التفاصيل
مهم!

هل أنت كاتب؟

وتريد نشر كتابتك إلى القراء من شتى بلاد العالم؟ أرسل مقالك على بريد قسم المقالات :
article@madarisweb.com
أو أرسل عبر صفحة الاتصال من هنا

المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC ، شبكة المدارس الإسلامية | 2010 - 2016