باكستان.. لم تصل سن البلوغ بعدُ

من الطبيعي أنه لا يمكن أن توجد مماثلة تامة، وموافقة كاملة، ومطابقة كلية بين فكرين أو بين رأيين، فأنت تفكّر حول شيء لخلفيات، والآخر يفكر حول الشيء نفسه لأسباب أخرى؛ فكل تصور حينما يُتصور أو يُطرح للمناقشة تختلف فيه المخيلات والأذهان، ولو بقليل، وهذا هو السبب الحقيقي لاختلاف الآراء.
فالمجتمعات الجمهورية والبيئات الديمقراطية يحق فيها لكل فرد أن يختلف عن الآخر، ويُظهر رأيه المناقض له، ولا يُعدُّ هذا عيباً أو جريمةً أو جُناحاً، ولذلك ترى في الدول الجمهورية الكبرى اختلاف عامة الناس وبخاصة عن كبار مسؤلي الدولة في الحكومة، حتى الوزراء والرؤساء، ويستخدم المخالف سائر وسائل الإعلام والإبلاغ ما أمكن له منها.
فانطلاقاً من هنا أود أن أُلفت أنظار قرائنا الأعزاء في أنحاء العالم بإشارات إلى مسرحية الاستفتاء الشعبي (Referendum) للرئاسة في باكستان في عهد الجنرال مشرّف.
هذه المسرحية قُدّمت للمرة الثالثة في باكستان على شاشة السياسة العسكرية:
1: قدمها الجنرال أيوب خان سنة 1960م، وادّعى أنه قد أحرز النجاح بنسبة 93% من بين جميع الأصوات الملقاة في صناديق التصويت.
2: ثم قام بتقديمها الجنرال ضياء الحق، ونادى أنه حصل على 97% من النسبة المئوية عام 1984م.
3: وأخيراً جاء دور الجنرال برويز مشرف الذي يزعم أنه تقدم على سابقيه في الفوز بالنسبة المئوية، وهي 98% في الاستفتاء الشعبي .
مع أن كل واحد من هؤلاء الجنرالات أزاح حكومةً وعزل حاكماً ـ إصلاحاً للنظام السياسي حسب زعمهم ـ فاستولوا على كراسي الحكومة لأوقات محددة إقامةً للانتخابات الشعبية حسب قولهم ـ لكن لما نالوا سمعة الرئاسة، وتملق المرتزقين السياسيين ومجاملة الإداريين الحكوميين ـ عزموا على البقاء على كرسي السلطة والركوب على فرس الأمر والنهي، فاحتالوا في ذلك حِيَلاً، وسوّغوا تسويغات، وزينوا أعمالهم الدراماتيكية كصنائع وطنية، متمسكين بأهداب الحكم والاقتدار كل تمسك، رافضين وراءهم الدستور الوطني، والقيم الخلقية، والأعراف الدولية، والمناهج السياسية، والمواثيق الشعبية، إلى أن افتُضحوا وخجلوا، وصاروا عظة وعبرة لمن بعدهم، وما استقالة أيوب، ولا اغتيال ضياء الحق من العارفين ببعيد!
المشكلة العظمى والمصيبة النكراء أنه لا يتعظ أحد من الحكام بمصير من سبقه في الحكومة ومن عقبه ممن تقدمه في السلطة؛ وإلا فميدان تاريخ السياسة لهذه الدولة مليء بالصرعى، والقتلى، والجرحى، والمنهزمين.
فدونك على سبيل المثال الرئيس غلام محمد سنة 1951م الذي سيطر على الحكم بعد اغتيال لياقت علي خان، ورشّح الخواجة ناظم الدين لرئاسة الوزراء، ثم أسقط حكومته سنة 1953م سخطاً عليه، وانتخب محمد علي بوغره رئيساً للوزراء، فلما أراد هذا الأخير تقليل اختيارات الأول شعر به فألغى المجلس الوطني إنهاءً لحكومة بوغره سنة 1954م، فوصل إسكندر مرزا إلى دهليز القصر الرئاسي، فشرّد الغلام وتسلط على كرسي رئاسة البلاد، فانتخب شوهدري محمد علي للوزارة العظمى، ثم أبعده بعد سنة وأجلس على ذلك الكرسي محمد حسين السهروردي، ثم بعد سنة زحزحه وجاء بآي آي تُشندريغر وعزله بعد 69 يوماً، واستبدله بفيروز خان نون، ولم يطمئن قلبه هنا فأشار على الجنرال أيوب خان أن ينفِّذ الحكم العسكري (Martial Law) في البلاد استحكاماً لغطرسته على الرئاسة عام 1958م، ولكن سرعان ما ظهر أن الثاني كان جائعاً مثله، فدحر الأول عن قصر الرئاسة ذليلاً، وظهر على جبين باكستان كديكتاتور جديد، وفعل ما فعل سابقوه من الاستهزاء برأي الشعب، وتذليل كبار قادة السياسة، وتغيير بعض القوانين الإسلامية في الدستور الوطني، وإيقاع الدولة في الحروب مع جيرانها و... و....، لكن متبناه الجنرال يحيى خان الذي قام بفصل عضو من الدولة عنها (بنجلاديش) حال بينه وبين الرئاسة عام 1969م، وأمره بإخلاء القصر الرئاسي، ثم هذا الأخير فوّض النظـام الإداري إلى ذو الفقار علي بوتو الذي وعده على إبقاء رئاسة الدولة له سنة 1971م، فلما استحكم إدارياً رمى بالجنرال من سرير الحكم، وأخذ مكانه، وتغطرس في أرض الله تعالى، حتى رغب في تغيير البلاد من جمهورية إسلامية إلى شيوعية اشتراكية، فجاء الجنرال ضياء الحق وأعدمه عام 1977م، ولماّ نبذ محمد خان جونيحو عن الوزارة العظمى بعد انتخابه، قام بالاستفتاء الشعبي لتمديد فترته الرئاسية،فحينما اغتيل ضياء ،عُيّن غلام إسحاق خان رئيساً للبلاد من نافذة مجلس الشيوخ فحذا حذو السابقين حتى قدّم بي نظير كأول وزيرة عظمى في البلاد الإسلامية التي كانت تتصور أنها سوف تكون ملِكة للدولة طول الحياة، فلما أسخطته فنفاها من إسلام أباد إلى كراتشي في لمحة واحدة، وجاء بعدها بنواز شريف متبنّى ضياء الحق سياسياً، ثم بفاروق اللغاري الذي ألغى المجلس الوطني لحكومة بي نظير التي نصبته رئيساً للبلاد، وجاء بنواز بصفقة سرية حول تمديد فترة الرئاسة له، فأخلفه الثاني الوعد بعد مجيئه إلى السلطة حتى أجبره على الاستقالة مستبدلاً به محمد رفيق تارر، فصعد على رأس نواز سكرة الحكم في هذه الدولة المنكوبة، فبدأ بعزل رئيس القوات يوماً، وكبير القضاة يوماً آخر، ويغيِّر وزيراً بوزير، وسفيراً بسفير، وجنرالاً بجنرال، وله أعمال من دون ذلك كان لها عاملاً، حتى أراد أن يعزل رئيس القوات المسلحة الجديد (مشرف) الذي نصبه هو بنفسه، فلم يتمكن، ووصل الأمر إلى ما وصل، حتى ذاق مرارة السجن مدة طويلة وليس هو فقط، بل أفراد أسرته جميعاً، إلى أن رآه الشعب على شاشة التلفاز باكياً في السجن حيناً وناعباً في المحكمة حيناً آخر، وأخيراً غُرِّب من الوطن ونُفي من البلاد صفر اليدين، وسُلبت أمواله، وقُبضت قصوره وعقاراته.
والآن ترون في الملعب الجنرال برويز وحيداً فريداً، الذي خلع صانعه الأكبر نواز وأخذ زمام الدولة بيده، وسمّى نفسه باسم غريب في سياسة هذه البلاد رئيس السلطة التنفيذية (Chief Executive)، ثم بعد عام أشار عليه أخدانه أنه لا تليق بكم إلا رئاسة الدولة، فأمر تارار أن يربط عفشه وينتقل إلى مولده لاهور، وعلى هذا المنوال لم يقتنع، حتى أعلن عن عقد استفتاء شعبي حول رئاسته لمدة خمس سنوات مقبلة، وأنفق عليه 500 مليون روبية باكستانية لهذا الشعب الفقير، ونجح أم لم ينجح؟ والناس أسهموا في التصويت أم لم يشتركوا؟ وهل التزويرات ظهرت فيه كالسابق أم لا؟ وهل عدت وكالات الأنباء المحلية والخارجية طرق الانتخاب شفافة أم مزوَّرة؟ وهل أُكرهت الإدارات الحكومية حتى محاكم العدل في المجال أم لم؟ وما إلى ذلك من الجوانب الأخرى؟ هـذه تسـاؤلات أجـوبتها منشـورة ولا تزال تنشر يومياً في الجرائد والصحف المحلية والعالمية.
نحـن لا نريد أن نُطيل الكلام بذكرها إلا أننا حينما نلقي نظرة عابرة على تاريخ الدولة فنرى مشاهد دراماتيكية، ومناظر مسرحية وصراعات بهلوانية، مرحلة إثر مرحلة، وما أحسن ما قاله المتنبي، وما أجمله انطباقاً على حكام دولتنا واحداً تلو الآخر:
تملكها الآتي تمـلُّك سالبِ ** وفارقها الماضي فراق سليب
فباكستان لم تصل سن الرشد سياسياً بعدُ، ولذا فإنها تفقد الاستقرار السياسي منذ تأسيسها إلى اليوم؛ فهي أشبه ما تكون بمدرسة تدريبية لمختلف الأنظمة السياسية، كالنظام الرئاسي، والوزاري، والجمهوري،والعسكري ،والديكتاتوري، ولم يكمِّل فيها أحد مدته الدستورية من رئيس ولا وزير، بل ومن المؤسف أنه لم يخرج أحدٌ من القصر الرئاسي ولا من دار الوزارة العظمى سالماً آمناً، معززاً مكرماً، لأجل استغلالهم الشخصي، واستهلاكهم الذاتي دائماً، ولذا هي اليوم مهدَّدة من كل الجوانب داخلياً وخارجياً، رغم وجود شعب أبيٍّ غيور مجاهد.
فالآمال التي عُلقت بها للمسلمين في أنحاء العالم لم تُثمر ولم تُنتج كل الثمار وكل الإنتاج.
فنسأل الله العلي القدير العفو والغفران، وأن يرزقنا صلاحنا.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم.


الشيخ ولي خان المظفر
رئيس المجمع العالمي للدعوة والأدب الإسلامي



 
التفاصيل
مهم!

هل أنت كاتب؟

وتريد نشر كتابتك إلى القراء من شتى بلاد العالم؟ أرسل مقالك على بريد قسم المقالات :
article@madarisweb.com
أو أرسل عبر صفحة الاتصال من هنا

المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC ، شبكة المدارس الإسلامية | 2010 - 2016