وأخيراً .. التحق الشامزئي بقافلة الشهداء

صباحاً  الساعة 40-7 طلع شيخ الحديث سماحة الدكتور المفتي نظام الدين الشامزئي من مسكنه المجاور لجامعة بنوري تاؤن متوجهاً إلى دارالحديث النبوي صلى الله عليه وسلم بالجامعة لإلقاء درس صحيح الإمام البخاري على طلبة مرحلة العالمية السنة الثانية (ماجستير) فأُطلق عليه النيران من الجوانب الأربعة بأسلحة فتّاكة، فأصابت عدة رصاصات رأس الشيخ وعنقه وصدره وبطنه ورجله، فانتقل إلى جوار ربه الكريم في لمحات عديدة.


كريم أصابته ذئاب كثيرة ** فلَم  يدر حتى جئن من كل مدخل


وكانت السيارة تحمل إضافة إلى سماحة المفتي رحمه الله تعالى رحمة واسعة وأدخله فسيح جناته نجله الأصغر سليم الدين وابن أخيه رفيع الدين والسائق طيب وواحداً من محافظيه. فأصيب ابنه وابن أخيه وسائقه بجروح شديدة ونقلوا إلى المستشفى فوراً.
وانتشر الخبر تواً في مدينة كراتشي وربوع باكستان بل وفي ربوع العالم في ثوان معدودة، فتحرّك الناس وانتفضوا من أطراف المدينة وأرجاء البلاد وأنحاء العالم إلى جامعة بنوري تاؤن، ولا سيما أساتذة الجامعات الدينية، وتلامذتهم، وأئمة المساجد ومدراء المدارس الإسلامية العربية زيارةً لوجه شيخهم المحبوب، واشتراكاً في جنازته، وتشييعاً لجثمانه، وليتلقوا بأنفسهم ويلقّنوا الآخرين الصبر والتسلية والتعزية بعضاً لبعض.
آه! ! ! المنظر كان غريباً والمشهد كان عجيباً، أمواج الناس كانت تتلاطم، وشآبيب الواردين كانت تتزاحم، والحَرّ كان شديداً، ولهيب النار كانت تشتعل على الشوارع، والبنوك، وعمارات الحكومة الإدارية والاقتصادية والسياسية، وعلى السيارات الخاصة، وباصات النقل الجماعي الحكومية، غضباً شعبياً على الحكومة وأهلها، وحول عدم تمكن حفاظتها وتأمينها أهاليها وخاصة العلماء ورجال الدين، الذين يُغتالون يوماً فيوماً في البلاد على مرأى ومسمع من الحكومة. والشرطة كانت تطلق الغاز المسيل للدموع، وكانت الدموع والعبرات منهمرةً بالاستمرار منذ فشوّ الخبر، فكان الغاز خانقاً فحسب، لا، توقّف. . . . . بل الشرطة كانت تصيد بعض المصابين بهذه المصيبة العظيمة بالرصاص، فكانت المستشفيات غرقى في دماء طيور العلم الذين فيهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سيأتيكم أقوام يطلبون العلم، فإذا رأيتموهم، فقولوالهم: مرحباً مرحباً. . . . . ) (سنن ابن ماجه باب الوصية بطلبة العلم). وكان ذلك اليوم في هوله وخوفه وغمه وحزنه وتلاطمه وتزاحمه كأنه كان يقدّم مشهداً من مشاهد القيامة، فكل واحد بكى وأبكى وتباكى، وكل واحد تعزّ وعزّى، وتسلّى وسلاّ، وواسا وتواسا وصابر وتصابر، وتوصّى وتواصا بالحق والصبر.
 


تعزّ فـإن الصبر بـالحر أجمل ** وليس على ريب الزمـان معوّل
 فلو كان يغني أن يُرى المرأجازعاً ** لحـادثة، أوكان يغني التـذلّـل
لـكان التعزّي عنـد كل ملمّة ** ونـائبة بـالحـر أولى وأجمـل
فكيف؟ وكل ليس يعدو حمامه ** وما لامرئٍى عمّا قضى الله مزحل



 وأنا قد أُخبرت أول من أخبروا بالحادث، فأسرعت برفقة الأستاذ القاري نصرالله إلى المستشفى، فالتقينا هناك بالأخ الجريح سليم الدين وكأنه كان متألماً لجروحه، فبدأنا نتبادل الكلمات، وقلنا: طهور، إن شاء الله تعالى، هذا الجرح ليس بخطير والحمدلله. فقال: أوتُفكرون أنني متألم مما أصابني؟ فقلنا: ثم ماذا؟ فقال متأوهاً: "بابا اُستشهد. . . . . قلنا: أوليس كان مصاباً في أصابعه فقط؟ ؟ قال: لا، بل في أم رأسه. فهنا اقشعرت الجلود، وارتعدت الفرائص، وارتعشت الأيدي، وتتعتعت الألسن، وطارت الألباب، وغشيت الظلمة الأعين واسودت الدنيا، وكدنا أن نُصرع، فإذا الولد خاطبنا من جديد، وقال: لا بأس، ولا أسف. . . . . ، بابا كان في ثغرة من ثغور الجهاد للعالم الإسلامي منذ زمن، فراح لسبيله، ونال ما أراد من الشهادة وبذل الغالي والرخيص في سبيل الدفاع عن الأمة، وقال: إنه ألم يكن أفتى بالجهاد ضد أمريكا وعملائها؟ ؟ فهي قتلته، ونحن نشكر الله سبحانه وتعالى أنه قتيل الكفار أو عملائهم من البغاة الفسّاق، فصحونا من صرعتنا، وكأن تيّار الحياة بدأ يجري في عروقنا، وهذا، لأننا كنا نظن أن شيخنا أيضاً لا يكون في خطر من الجروح، وكان الخبر أولاً عن الشيخ أنه أصيب فقط في أصابعه، وأنه أنجاه الله تعالى عن مكيدة الأعداء القتلة الفجرة، ولكن أين ذلك؟ إنه قد قضى نحبه، ولم يبدّل تبديلاً.
ثم توجهنا إلى جامعة بنوري تاؤن، فإذا الجامعة قد غُصّت بالناس، من طلبة، وأساتذة، وعلماء وأعضاء البرلمان، وعامة المسلمين، فجلسنا هنيهةً مع رئيس الجامعة الدكتور عبدالرزاق إسكندر حفظه الله ورعاه ومع المشايخ الآخرين كالشيخ الأستاذ محمد زيب والشيخ فضل محمد والشيخ البدخشاني والأستاذ إمداد الله والشيخ نورالرحمن، والشيخ فهيم الدين والدكتو عزيزالدين شقيقي الشهيد ومع نجليه أمين الدين وتقي الدين وزرنا مراراً جثمان شيخنا الشهيد، وكانت الوفود تدخل وتخرج، فكل شيخ وشاب تسيل على حرّ وجهه سلاسل من الدموع والعبرات، وكل لسان يتعطر بذكريات الشهيد. ولله درّ الشاعر حيث يقول:


فمـا من فتًى كنّا من الناس واحداً ** بـه نبتـغي منهـم عميداً نبادلـه
ليـوم حفـاظ أو لدفـع كريهـة ** إذا عيّ بـالحمل المفضّـل حـامله
وذى جرأة مـا الليث في أصل غابة ** بـأشـجع منه عنـد قرن ينـازله
فـتىً كان يستـحي ويعلـم أنـه ** سيـلحق بالموتى ويـُذكر نـائلـه


وطفق تلاميذه، وأهلوه، ومحبوه، ورجال الدين، والسياسة، والحكومة وعامة المسلمين بدون تفريق دموي ومسلكي وحزبي ووطني يتحركون برّاً وجوّاً من جميع أقاليم باكستان ومن الخارج لتشييع جثمانه، واشتراكاً في صلاة جنازته، فاجتمعت جموع حاشدة إلى المغرب في جامعة بنوري تاؤن وجهاتها الست، وكلهم كانوا يرددون الكلمة الطيبة. . . . . أو بعض السور أو الأدعية المأثورة، وعلى الأحوط بلغ عددهم حسب تصريح الصحف والجرائد مآت الألوف، من بينهم شيخ الشهيد ومرشده إمام المحدثين الشيخ سليم الله خان ورئيس حزب المعارضة الشيخ فضل الرحمان، والشيخ سميع الحق والدكتور عبدالرزاق إسكندر وشيخ الإسلام محمد تقي العثماني والمفتي محمد رفيع العثماني ومحمد أكرم خان الدراني، ودفن الشيخ بين المغرب والعشاء بجوار شهيد الإسلام مولانا محمد يوسف اللديانوي رحمه الله تعالى وأمطر عليهما شآبيب الرحمة والرضوان.


فما كان مفراحـاً إذا الخير مسّه ** ولا كان منّانـا إذا هو أنعمـا
لعمرك ماوارى التراب فعـالـه ** ولكنما وارى ثيـاباً وأعظـما

التفاصيل
مهم!

هل أنت كاتب؟

وتريد نشر كتابتك إلى القراء من شتى بلاد العالم؟ أرسل مقالك على بريد قسم المقالات :
article@madarisweb.com
أو أرسل عبر صفحة الاتصال من هنا

المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC ، شبكة المدارس الإسلامية | 2010 - 2016