مكانة علم الميراث
مكانة علم الميراث

الحمدلله الذي خلق اللوح والقلم، وعلم الإنسان مالم يعلم، وأفضل الصلوات والتسليمات على محمد المبعوث إلى العرب والعجم وعلى آله وصحبه الذين هم مفاتيح الرحمة ومنابيع الحِكم، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد، فأعوذبالله من الشيطان الرجيم، قال تعالى: (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظّ الأنثيين) [النساء: 11].
ترشد الآية المباركة إلى أحكام الميراث ومسائله، فإنه لما تعلقت حقوق الورثة بتركة الميت أصبحت أهميتها أضعافاً مضاعفة، فلقد أجاد العلامة القرطبى فيما حبّر وأفاد فيما سطر حيث قال: وهذه الآية ركن من أركان الدين وعمدة من أعمدة الأحكام وأم من أمهات الآيات، فإن الفرائض عظيمة القدر حتى أنها ثلث العلم، ورُوي أنه نصف العلم وهو علم يُنزع من الناس ويُنسى، روى الدار قطنى عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (تعلّموا الفرائض وعلّموها الناس إنه نصف العلم وهو أوّل شيء يُنسى وهو أوّل شيء يُنتزع من أمتي). وروي أيضاً عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تعلّموا القرآن وعلّموه االناس، وتعلّمواالفرائض وعلّموها الناس، وتعلّموا العلم وعلّموه الناس، فإني امرؤ مقبوض، وإن العلم سيُقبض، وتظهر الفتن حتى يختلف الاثنان في الفريضة لا يجدان من يفصل بينهما).
ومن المعلوم أن السلف الصالح – عليهم الرضوان – كان جّل علمهم، وعظيم مناظراتهم في هذا العلم الشريف، فإنهم بذلوا قصارى جهودهم في تعلمه وإيصاله إلى من خلفهم، لكن نقول مع الأسف والاعتذار. .
أن الخلف لم يُعطوا هذا العلم المهم حقه، وناهيك قول ابن مسعود – رضى الله عنه – من لم يتعلم الفرائض والطلاق والحج فبم يفضل أهل البادية؟
وقال ابن وهب عن مالك: كنت أسمع ربيعة يقول: من تعلم الفرائض من غير علم بها من القرآ ن ماأسرع ينساها قال مالك: صدق‘‘.
ولا تخفى فضيلة هذا العلم على من كان له قلب أو القى السمع وهو شهيد بعد قول الرسول صلى الله عليه وسلم حيث قال: ’’ العلم ثلاثة وما سوى ذلك فهو فضل: آية محكمة أو سنة قائمة أو فريضة عادلة ‘‘، أخرجه أبوداؤد والدار القطني عن عبد الله بن عمرو بن العاص – رضي الله عنه -.
روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ’’ أقسموا المال بين أهل الفرائض على كتاب الله، فما أبقت الفرائض فلأول رجل ذكر ‘‘ أخرجه الشيخان.
ويدل على تاكيد هذا الأمر الهام ما نذكره تالياً:
1- قال رسول الله صىلى الله عليه وسلم: ’’ ألحقوا الفرائض بأهلها ‘‘.
2- إذا استهل الصبي صُلّي عليه ويورث ‘‘ (ابن ماجه والدارمي).
3- حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: ’’ من ترك مالا فلورثته ومن ترك كلّا فإلينا ‘‘ (أخرجه الشيخان).
4- رواية عبادة بن الصامت ’’ أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى للجدتين من الميراث بالسدس بينهما ‘‘ (رواه عبدالله بن أحمد في المسند).
وكذا استقر إجماع الصحابة وتابعيهم على أن فرض الجدة الواحدة ’’السدس‘‘ وكذا فرض الجدتين والثلاث. (كما حكاه البيهقى عن محمد بن نصر من أصحاب الشافعي).
ويُفهم هذا كله بأدنى تأمل في تعريف هذا العلم، وموضوعه، واسمه، فإن كل واحد منها ينادي بأعلى صوت أهميته وفضله.
خذ مثلا: أن تعريفه: هو علم بأصول من فقه وحساب يُعرِّف حق كل واحد من الورثة من التركة والحقوق‘‘ (كما ذكره صاحب الدر المختار).
وزاد عليه: أن الفرائض جمع الفريضة المأخوذة من الفرض بمعنى التقدير، وكذا غرضه ’’ إيصال كل ذى حق حقه من التركة ‘‘.
وهذا كله يُشعر عن فضيلة هذا العلم وأهميته، ومن لم يتوجه إليه فإنه لعمرى يُدعى له بالصحة ويرجى له الشفاء، والله هو الموفق والمستعان.
ولأهمية هذا العلم ومكانته عند أهل العلم والفضل اعتنى به العلماء فبلغوا النهايات في حصوله وانتشاره نثراً ونظماً، كصاحب المنظومة الرحبية في الفرائض موفق الدين أبى عبدالله الرحبي 577 هـ.
التقصير في فريضة الميراث:
إن الشريعة السمحة قد أوجبت على الإنسان تأدية الحقوق الإنسانية من الانفرادية والاجتماعية، لكن قد خصت بعض الحقوق والأحكام أداءً واهتماماً، وعلى طليعتها حق الإرث.
فقد صرّح الكتاب والسنة بوجوب أداء جميع السهام والحصص لمستحقيها، وورد فيها الوعيد والزجر الشديد لمن لم يهتم بهذه الفريضة حيث قال تعالى: (تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنت تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم، ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ناراً خالداً فيها وله عذاب مهين) [النساء].
وعن أبي هريرة – رضى الله تعالى عنه – قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ’’ إن الرجل ليعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة فإذا أوصى وحاف في وصيته فيُختم له بشر عمله فيدخل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الشر سبعين سنة فيعدل في وصيته فيُختم له بخير عمله فيدخل الجنة، قال الراوي ثم يقول أبوهريرة: اقرؤوا إن شئتم: تلك حدود الله إلى عذاب مهين.
وقال أبوداؤد في باب الإضرار في الوصية: عن شهر بن حوشب أن أباهريرة حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الرجل ليعمل أو المرأة بطاعة الله ستين سنة ثم يحضرهما الموت فيضران في الوصية فتجب لهما النار‘‘ وقال: وقرأ علي أبوهريرة – رضى الله عنه – من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار حتى بلغ ذلك الفوز العظيم.
وقال تعالى: (وليخش الذين لوتركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم ناراً).
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ’’يُبعث يوم القيمة القوم من قبورهم تأجج أفواههم نارا‘‘.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ’’اجتنبوا السبع الموبقات قيل: يارسول الله وماهن؟ فعدّها وقال:. . . أكل مال اليتيم. . . . ‘‘
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ’’إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكفّفون الناس‘‘.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ’’من قطع ميراث وارثه قطع الله ميراثه‘‘.
فإن هذا المال منحة عظيمة وهدية جسيمة من عندالله تعالى إذ لا دخل فيه للعمل والكسب ولذا يسمى أطيب الأموال فتعِس من لم يهتم بأداء هذه الحق الواجب وخالف الله ورسوله لأنه خان الشركاء بعدم أداء حصصهم وأنصبتهم.
لكن الأسف الشديد أن الأمة المسلمة والمجتمع الإسلامى أكثر أفراده اليوم قدغفلوا عن أداء هذا الحق وهذه الفريضة المهمة، ولم يبالوا بها، بل حب الدنيا قدغمر قلوبهم، فنسوا الأحكام القرآنية، والحقوق الدينية، والفرائض الإسلامية، بل وفوق ذلك انتشر هذا الداء المهلك في العلماء والصلحاء أنفسهم فلم يؤدوا ولايزالون يقصرون في هذا الحق بوفاء وإنصاف.
وقد سمعنا عن خرافات عجيبة وخزعبلات غريبة في بعض المناطق والبلدان وقد شاهدنا بعضها:
منها: المرأة إذا أرادت أن تتزوج بعد وفاة زوجها الأول فيحجبونها من الميراث، ففى مثل هذه المناطق المرأة بعد ترملها لاتتزوج مرة ثانية مع كثرة المشاق لتأخذ نصيبها المفروض، فتقضي طول عمرها وحياتها بكلفة ومشقة ويصيبها ما يصيبها من الآلام والأحزان.
ومنها: المرأة إذا لم تكن من قبيلة الرجل فلا يعطونها من الميراث نصيبها فهذه غواية وضلالة.
ومنها: مانراها اليوم في أكثر الأمكنة بأن الأخ يطالب من أختها بأن تترك نصيبها وتعفوه له، مع أن هذا العفو لااعتبار له في الشرع.
ومنها: تارة يظن الوارث أنه الأكبر والمختار فيتصرف فيه ويبذله في أى موضع شاء ولا يبالي بكلام سائر الورثة حتى أنهم لوطالبوا نصيبهم لا يدفع إليهم، فما أصبرهم على النار.
ومنها أن المرأة تُمنع منعا باتا عن الإرث في كثير من المناطق حتى في العائلات المتديّنة فهي لا تستحق شيئاً في الميراث بل نسيت النساء حقوقهن في الميراث منذ قرون في بعض الديار.
فقد ضلت الأمة باتخاذ أمثال هذه الخرافات، فركبوا مطايا الغواية، ولم يخافوا من آهات هذه المرأة المظلومة التي لم يعط نصيبها، فقد قال الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ’’ اتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينه وبين الله حجاب ‘‘. لكن الناس في عيش وتنعم وترف، ولا يعلمون أن ترفهم سيزول، فإن هذه ثلمة كبرى، يجب على الأمة المسلمة عموما والعلماء والحكام المسلمين خصوصاً أن يهتموا بهذا الأمر الهام، وينفّذوه في ديار المسلمين لىينال كل ذي حق حقه ولا يحرم من نصيبه.
ولله در الشاعر:


عليك بالحق ولو أنه ** أحرقك الحق بنار الوعيد
وابغ رضى المولى فأغبى الورى ** من أسخط المولى وأرضى العبيد


 


 


 


 


 

التفاصيل
مواضيع متعلقة
مهم!

هل أنت كاتب؟

وتريد نشر كتابتك إلى القراء من شتى بلاد العالم؟ أرسل مقالك على بريد قسم المقالات :
article@madarisweb.com
أو أرسل عبر صفحة الاتصال من هنا

المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC ، شبكة المدارس الإسلامية | 2010 - 2016