خطبة فضيلة الشيخ العلامة المفتي محمد تقي العثماني حفظه الله تعالى

الحَمْدُ لِلهِ ربِّ العَالَمِيْنَ، وَ الصَّلَوةُ والسَّلاَمُ عَلَى خَيْرِ خَلْقِهِ سَيِّدِنَا وَمَوْلانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أجْمَعِيْن، وَعَلَى مَنْ تَبعَهم بإحسَان إلَى يَومِ الدين.
وَبَعد، فَأَيهَا السَّادَة الأَفَاضل!
إني لاَ أريد أَن أقرَأَ بَحثاً، فَإن البُحُوثَ العِلْمِيَّةَ قَد كَثُرَت، وَلاَ أَنْ أُلْقِيَ كَلِمَةً، فإنَّ الكَلِمَاتِ القَيِّمَةَ قَدْ أُلْقِيَتْ وَالحمد لله، ونَسْتَطِيعُ أن نَقْتَبِسَ مِنْ خِلاَلِهَا مَا يُفِيْدُنَا فَوَائِدَ وينفعُنَا منافعَ عِلْميَّة.
ولكنِّي أريْد أَنْ أَلْفِتَ الأنْظَارَ إِلىَ نُقْطَةٍ هَامَّةٍ، رُبَّمَا تَغِيْبُ عَنْ أَعْيُنِنَا رَغْمَ كونها ظاهرةً بَديْهِيَّةً.
وذلك أننا نؤمن جميعاً، والحَمدُ للهِ،بأنَّ هذه الثَّوْرَةَ الآمنة الإسلاميَّة التي أحْدَثَهَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إنما حَدَثَ باتِّبَاعِ سُنَّتِهِ وَسِيْرَتِهِ عليه السلام في عِبادتِه وخُلُقِهِ، ومُعَامَلاتِه وَمعاشَرَتِه، وفي سائِرِ نَوَاحي الحياة. ومما نَتَّفِقُ عَلَيْهِ أيضاً أننا لا يُمكِنُ إعادة ذلك الماضي المَجِيد من العزةِ والكرامة، والرُّقِيِّ والازْدِهَار، إلا بالرجوع إلى سيرته صلى الله عليه وسلم مرَّةً أخرى.
فهذا ما نَعْتَقِدُهُ جميعاً ونُؤمِنُ بِهِ، و لكنَّ السؤالَ المُهِمَّ هاهناَ: لماذا لا نَقْطِفُ ثَمَرَاتِ هذا الإيمان؟ مَعَ أنَّ الصحابةَ رضي الله عنهم بلغُوا به ذِرْوَةَ المَجْدِ والكمال، فإذا دَرَسْنَا هذا الموضوعَ في حياةِ الصحابةِ رضي الله عنهم ، رأينا أن إيمانهم بهذِهِ الحَقِيقة لَمْ يكن إيماناً عَقْلِياًّ أو نَظَرِياًّ فَحَسْبُ، وإنما كان إيماناً قلبياًّ وطبيعياًّ يعضُدُه حُبُّهم العميقُ لله ورسوله، فلم يكن يُعْجِبْهم إلا هديَهصلى الله عليه وسلم في حياتِه ومعاشرتِه، وخُلُقِهِ وسيرتِه، وعبادتِه ومعاملتِه، حتى وفي صورتِه وزِيِّه، وكانت ميِّزةً اتباعُهم لسنةِ الرسولِ صلى الله عليه وسلم ، إنهم لم يخافوا فيه لَوْمَةَ لائم، ولا إنكارَ مُنْكِرٍ، ولم يَحْتَفِلُوا أبَداً لِسُخْرِيَّةِ الكفارِ واستِهزاءِ الأجانبِ أو اسْتِخْفَافِ المشركين،ثبتوا على السنة النبوية حباًّ لهم إياها- واعتقاداً جازماً منهم بأنه لا خيرَ في غيرها، ولمْ يتركوها إرضاءً للمشركين أو مُدارَاةً للكفار، واستمالةً لقلوبِ الأجانب، حتىَّ وفي أشياءَ نَعُدُّهَا اليومَ بسيطةً جدّاً.
فقد أخرجَ ابنُ أبي شيبةَ وغيرُه عن إيَاسَ بنِ سَلَمَةَ عن أبيه في قِطْعَةٍ طويلةٍ أنه لمَّا خرج عثمانُ بنُ عفانَ رضي الله عنه رسولاً إلى أهل مكة يوم الحديبية جاء عسكرُ المشركين فعَبَثُوْا به، وأساءوا له القولَ، ثم أجاره أبَانُ بن سعيدِ بنِ العاصِ ابنُ عَمِّهِ، وحمله على السرج ردفه، فلما قدم قال: يا ابن عم، ما لي أراك متخشعاً؟ أسْبِلْ (يعني إزارَكَ)، وكان إزارَه إلى نصفِ ساقَيْهِ... ولا شكَّ أنَّهُ كان في هذه المشورةِ بعضَ المصْلحةِ في الظاهر، ولكن لم يرضَ بذلك عثمانُ رضي الله عنه، وإنما أجابهم بقوله: هكذا إزارَةُ صاحبِنا(صلى الله عليه وسلم ) [كنز العمال].
وأخرج أبونُعَيْمْ وابن سَنْدَه عن جُثَامَةَ بنِ مَسَاحِقَ الكِنَانِيِّ رضي الله عنه، وكان عمرُ قد بَعَثَه رسولاً إلى هِرَقَل، قال: جلستُ فلمْ أدْرِ ما تحتي؟ فإذا تحتي كرسيُّ من ذَهَبٍ، فلما رأيتُ نزلتُ عنه، فضحك فقال لي: لِمَ نزلتَ عن هذا الذي أكرمْنَاك به؟ فقلتُ: إني سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَنْهَى عن مثلِ هذَا [كنز العمال 7: 15 والإصابة 1: 228]

وأمَّا نحنُ، فمَعَ إيمانِنا بأنَّ سِيرتَه صلى الله عليه وسلم خيرُ سيرة، نفرّقُ بين سيرته صلى الله عليه وسلم ، فنختارُ منها ما نهواه، ونتركُ أخرى؛ قائلينَ مرةً بأنها سنةٌ عاديةٌ لا يجب علينا اتباعُها، كأننا وَجَدْنَا عادةً خيراً من عادتِه صلى الله عليه وسلم فاتبعناها، والعياذُ بالله، وتارةً بأنها سنةٌ تخالفُ المَصْلَحَةَ في ظُروفِنا الحاضِرَة، وأخرى بِأنَّها كانت مَشْرُوْعَةً في وقتِه صلى الله عليه وسلم ، وليْستْ مشروعةً في عَهْدِنا.
فأمثالُ هذه التَّأوِيْلاَتِ التي نَرْتَكِبهَا في حياتِنَا لَيْلاً ونهاراً، إنما تَدُلُّ على أنَّ إيمانَنَا بِسُنَّةِ الرسولِ صلى الله عليه وسلم يَنْقُصُهُ الحُبُّ، وهذا هو الفَرْقُ العظيمُ البَيِّنُ بَيْنَ إيمانِنَا وَإيْمَانِ الصحابةِ رضي الله عنهم ، فلو كُنَّا نريدُ أن نَلْقَى تلك العِزَّةَ والكَرَامَةَ، وذلكَ الرُقِيَّ والازْدِهَارَ الذي صارَ نصيبَ المسلمين في القُرُوْنِ الأُولَى بِسَبَبِ اتِّبَاعِ السُّنَّةِ النَّبَويّة على صاحِبِهَا السّلام، فلا بُدَّ لَنا أن نَتَّبِعَهُ صلى الله عليه وسلم كما اتَّبَعَهُ الصَّحَابَةُ والتابِعُونَ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَتَمْوِيْهٍ، ومِن غير إرضاءٍ لما تَهْوَى النُفُوس، ومن غيرِ خَوْفٍ منْ استهزاءِ الأجانِبِ، فو اللهِ ليسَ العِزُّ في الأَبْنِيَةِ الشامِخَة، ولا في القُصُورِ العَالِية، ولا في الملابِسِ الفاخِرَة، وإنما العِزُّ في اتِّبَاعِ النَّبِيِّ الكريمِ صلى الله عليه وسلم ، الَّذِيْ كَانَ يَجُوْعُ يَوْماً، ويَشْبَعُ يَوْماً، والَّذِيْ كان ينامُ على الحصيرِ، ويربِطُ على بَطْنِه الأحجارِ حين حَفَرَ الخَنْدَق، ويحمِلُ بِيَدِهِ الشرِيْفةِ اللَّبِنَاتِ لِبِنَاءِ المَسْجِد، فلا عِزَّ لَنَا إلا بالاصْطِبَاغِ التَّامِّ في صِبْغَتِهِ صلى الله عليه وسلم في كلِّ شَيْء.
وإنَّ هذا الحَفْلَ المَيْمُوْنَ المبارَكَ الَّذِيْ جَمَعَ أهلَ العِلْمِ والفِكْر، لَيََقْتَضِيْ مِنَّا أنْ نُحاسِبَ أنفُسَنَا على هذا الطَّريق، وأن نَضَعَ لِلْمُسْلِمِيْنَ مُخَطَّطاً يَغْرِسُ في قُلُوْبِهِمُ الحبَّ العَمِيْق للسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ عَلَى صَاحِبِهَا السَّلام؛ حتَّى لا تَغُرَّهُمُ الأَهْوَاء، والنَّظَرِيَّاتُ الأجْنَبِيَّةُ الفَاسِدة.
فأقتَرِحُ أن يَّتَّخِذَ هَذَا الحَفْلُ تَوْصِيَاتٍ تَالِيَةٍ بِكُلِّ عَزْمٍ وإخْلاَص:
وصي أنفُسَنا وجَمِيْعَ المُسْلِمِيْن عامّةً وجميعَ أهلِ العلمِ والفِكرِ ودُعَاةَ الإسلامِ خاصةً أن يهتمُّوا اهتماماً بالغاً بالاتِّباعِ التامِّ للسِّيرة والسنةِ النبويةِ على صاحِبِها السلام، في حياتِهم وَمَعِيْشَتِهِمْ بِمَا يَجْعَلُ حَيَاتِهِمْ أُنْمُوذَجاً عَمَلِياًّ صالحاً للسُّنَّةِ النبويَّة.
ونوصِي أيضاً جَميعَ المُسْلِمين في كُلِّ زَمَانٍ ومكانٍ أن يُعيِّنَ كُلُّ أحدِهِمْ وقتاً، ولو نصفَ ساعة، كلَّ يَوْمٍ لدراسة السيرة النبوية على صاحبها السلام، يَدْرُسُها بنفسه ويَقْرَؤُهَا على أعضاءِ أُسْرَتِهِ، ويُحاسِبُ نفسَه: كمْ عَمِلَ بِأحْكَامِهَا؟
ونَقْتَرِحُ من الحُكوماتِ الإسلاميةِ أن يجعَلُوا السيرةَ النبويَّةَ مادَّةً إجبارِيَّةً من موادِّ التعليمِ في كلِّ مَرْحَلَةٍ منْ مَرَاحِلِ الدِّرَاسَةِ في المَدَارِسِ والكُلِّيَّاتِ والجامِعَات، وأنْ يُّعَيِّنُوْا وَقْتاً صَالِحاً تُعَلَّمُ فِيْهِ السيرةُ والسُّنَّةُ النَّبَوِيَّة على الإذاعاتِ كلَّ يَوْم.
ونُوصي أهلَ العلمِ والفكرِ أن يَّهْتَمُّوْا بِنَشْرِ السِّيْرَةِ النَّبَوِيَّةِ فيما بَيْنَ الشَّعْبِ والعامَّةِ بما يَسْهُلُ لَهُمْ فَهْمُهَا، سواءً كان كتابةً أو خَطَابةً، وأن لا يُطَبِّقُوا القُرْآنَ والسُّنَّةَ على النَّظَرِيَّاتِ الأَجْنَبِيّةِ الحَدِيْثَةَ بما يؤدِّيْ إلى التَّحْرِيْف، بل يَجْعَلُوْا السيرةَ النبويَّةَ كما هِيَ، أُسْوَةً لِحَلِّ مَشَاكِلِ المُسلمينَ في جَمِيعِ شُؤُوْنِ الحياةِ.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

التفاصيل
مهم!

هل أنت كاتب؟

وتريد نشر كتابتك إلى القراء من شتى بلاد العالم؟ أرسل مقالك على بريد قسم المقالات :
article@madarisweb.com
أو أرسل عبر صفحة الاتصال من هنا

المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC ، شبكة المدارس الإسلامية | 2010 - 2016